RSS

Category Archives: ملحنون

ألحان عبد الوهاب – العشرينات

محمد عبد الوهاب - العشريناتسهرة مع ألحان محمد عبد الوهاب – العشرينات 

الألحان التي صنعت المطرب والملحن محمد عبد الوهاب وما زالت تجتذب المستمع العربي في القرن الواحد والعشرين بعد 90 عاما من صنعها

هناك لحن واحد يغنيه عبد الوهاب من غير ألحانه وهو موشح “ملا الكاسات” للملحن القدير محمد عثمان الذي توفي عام 1901 

في تلك المرحلة، رغم اتجاهه للطرب، يظهر تأثر عبد الوهاب بألحان سيد درويش، خاصة في الأدوار

  استمع Ω إلى ألحان عبد الوهاب في العشرينات

1  أحب اشوفك
2  أهون عليك
3  الليل بدموعه جانى

4  اللى يحب الجمال
5  فى الليل لما خلى
6  حسدونى
7  خدعوها بقولهم حسناء
8  خايف اقول اللى ف قلبى
9  لما انت ناوى
10 ملا الكاسات (لحن محمد عثمان)
11 تعالى نمن نفسينا غراما
12 تلفتت ظبية الوادى
13 يا جارة الوادى

14 يا ناعما رقدت جفونه

 

موشحات سيد درويش

سيد درويش - بروازلحن سيد درويش 15 موشحا مختلفة المقامات والأوزان، واشتهر العديد منها رغم كون الموشحات قالبا قديما عمره مئات السنين، إذ يرجع تاريخها إلى العصر الأندلسي.

لماذا قام سيد درويش بتلحين الموشحات؟

سنعرض هنا نماذج من ألحان سيد درويش للموشحات ثم نتناول الإجابة على سؤال محير وهو لماذا قام سيد درويش بتلحين هذا القالب القديم رغم اتجاهه للتغيير والحداثة حتى أصبح فنه رمزا للقرن العشرين؟

نماذج من موشحات سيد درويش                  اضغط للاستماع

 الموشح  ألحان  المقام  الميزان  الإيقاع
 يا شادي الألحان  سيد درويش  راست  مصمودي  4/4
 منيتى عز اصطباري  سيد درويش  نهـاوند  محجر  4/14
 يا بهـجة الـروح  سيد درويش  كـورد  دارج  4/3
 صحت وجداً  سيد درويش  راست  نوخت  4/7
 حبي دعاني  سيد درويش
 شوري  عويص  8/11
 يا ترى بعد البعاد
 سيد درويش
 راست  مصمودي  4/8
 يا عذيب المرشف  سيد درويش
راست
 مربع  4/13
 زارني المحبوب
 سيد درويش
 حجازكار  مصمودي
 4/8
 نبه الندمان
 سيد درويش
حجازكار  مصمودي  4/8
اجمعوا بالقرب شملي – نكريز
 سيد درويش
 نكريز  نوخت
 4/7
اجمعوا بالقرب شملي – زنجران
 سيد درويش
 زنجران  نوخت
 4/7

لماذا قام سيد درويش بتلحين الموشحات رغم اتجاهه القوي للتحديث والتجديد؟

أقدم سيد درويش على تلحين الموشحات رغم عدم انتماء شعرها ومفرداتها إلى العصر الحديث، ووضع ألحانها على النمط القديم أيضا رغم أنه رائد المدرسة الحديثة في الموسيقى العربية والمعروفة باسم المدرسة التعبيرية.

هناك عدة أجوبة لهذا السؤال 

التفسير الأول

أن لكل وقت ملامح ترسم وتقدر المواهب والقدرات في أي مجال، وتتدرج في مقياس بحيث يكون أصعبها وأدقها في الصناعة مؤشرا على قدرة صاحبها وتميزه إلى مصاف الأستاذية. بهذا المقياس كانت الموشحات هي مقياس الحرفية وقت ظهور سيد درويش، وكان لابد له من طرق هذا المجال لكي يثبت لنفسه وللآخرين قدراته الموسيقية بصفة عامة، وبنفس المقياس الشائع في وقته. في ذلك الوقت عبر الملحنون الكبار عن قدراتهم بتلحين الموشحات. من هؤلاء كامل الخلعي وداود حسني والفنانين المشايخ مثل الشيخ درويش الحريري.

هذه الأسماء كانت أكبر بكثير من الشاب الصغير سيد درويش الذي اقتحم الحياة الفنية مبكرا في العشرينات من عمره. وكان لهم أعمال كبيرة كما وكيفا، وهناك نحو مائة موشح قام بتلحينها كامل الخلعي وحده. كانت الموشحات مثل الشهادة التي تمنح للصانع لإثبات كفاءته، وهكذا حصل سيد درويش على أحد المؤهلات الفنية الهامة.

التفسير الثاني

أن طريقة تقديم الفنون الغنائية في وقت سيد درويش كانت تتبع طقوسا ثابتة يلتزم بها جميع الفنانين. كانت تلك الطقوس تقتضي البدء بتمهيد موسيقي من قوالب معروفة كالبشرف والسماعي والتحميلة والتقاسيم، من مقام معين، ثم يشرع المغني في الغناء بترتيب خاص يبدا بالقوالب القصيرة مثل الموشح أو الموال، من نفس المقام، ثم ينتقل إلى القالب الأكبر مثل القصيدة أو الدور وهو ذروة العرض الغنائي، وأيضا على نفس المقام. نستنتج من هذا أن لكل “دور” “موشح” من نفس مقامه ويسبقه في الأداء. هكذا إذا أراد فنان تقديم دور ما عليه أن يقدم موشحا خاصا به. وبالطبع ليس من المناسب أن يقدم فنان دورا من تلحينه وموشحا من تلحين غيره، فكان عليه أن يلحن موشحاته الخاصة التي تناسب ما سيقدمه من أدوار. وقد ينظر من هنا إلى أن سيد درويش قد اضطر إلى تلحين الموشحات مسايرة للنظام السائد وقتها.

التفسير الثالث

لا تخلو الموشحات من جمال فني، رغم قدمها التاريخي، ولا تزال تجد هواة و جمهورا من المعجبين حتى وقتنا هذا، ومن الطبيعي أنها كانت تتمتع بمكانة أفضل في وقت سيد درويش لما لها من فضل تاريخي، ولاحتوائها على عناصر لا يقدمها أي لون آخر من الغناء مثل الإيقاعات المعقدة والمركبة والتي تبارى في استخدامها الملحنون القدامى، بل وفي ابتكار الجديد منها. وعلى سبيل المثال قد ننظر إلى السيارت والطائرات كأجيال من نفس النوع لكن ميزاتها ومتعة استخدامها تزداد كلما زاد تعقيد صناعتها. كذلك كرة القدم قد تلعب بفريق مصغر من خمسة أفراد أو بفريق “أوليمبي” من أحد عشر لاعبا.

هكذا تستطيع الموشحات تقديم فن لا تستطيع تقديمه فنون الغناء الأخرى، سواء الأقدم منها مثل القصيدة أو الدور، أو الأحدث مثل المونولوج أو الديالوج. ومن المؤكد أن سيد درويش قد حفظ كثيرا من الموشحات قبل إقدامه على التلحين، ولابد أنه استشعر القيم الجمالية فيها. وعندما يلحن سيد درويش موشحا على ميزان غير منتظم مثل النوخت 4/7، أو المربع 4/13، أو العويص 8/11 فإنه يقدم صنعة غاية في الدقة تثير إعجابا أكثر، خاصة لدى الفنانين، من الألحان التي ترتكز على قواعد بسيطة التركيب.

التفسير الرابع

كان على الفنان الجديد والمجدد، وعينه على المسرح الغنائي ونقل الغناء من القصور والصالات المغلقة على النخب إلى الشوارع والحقول والغناء للشعب كله، أن يسد الطريق على منتقديه المحتملين، خاصة الفنانين الكبار، واتهامهم له بأنه “يكسر قواعد التلحين”، أو يهبط بالفن إلى مستوى عامة الناس. وكان من السهل على أي منهم تصوير سيد درويش بأنه لا يعدو كونه مهرجا موسيقيا لا ينضبط بأصول ولا يكترث بقواعد، لكن مثل هذا الاتهام لم يمكن، بل أصبح مستحيلا وقد أثبت سيد درويش أنه يستطيع إجادة الفنون القديمة وأن تجديداته ليس نبشا في الهواء. خاصة أنه زاد على موشحاته أدوارا تفوق فيها على عتاولة ملحني الأدوار.

بذلك انتهى سيد درويش من تسيد فن القوالب القديمة وتفرغ لمهمته الأكبر والأهم وهي المسرح الغنائي. ولم يكن المسرح الغنائي من ابتكاره، فقد طرقه سلامة حجازي والخلعي ودواد حسني من قبله، ولكن رسالته كانت تطوير ذلك المسرح، ليس كمسرح تمثيلي، وإنما كألحان تترجم النصوص إلى تعبير دقيق عن الصور التي تخيلها الكتاب والشعراء في مسرحياتهم، بدلا من تنغيمها على قوالب موسيقية مسبقة لا تعبر عن الكلمة بل تتخذها وسيلة لملء الفراغ. وما أكثر مانسمع في الفن القديم من كلمات مثل ياليل يا عين، أمان امان، يا لا لالا ، يالاللي، وغيرها.

خرج سيد درويش من الفن القديم وقيوده ليرسي قاعدة جديدة هي المدرسة التعبيرية في الموسيقى والتلحين، وأحدث ثورة هائلة بأسلوبه الذي سار على نهجه كل من جاء بعده. عرض وتحرير د.أسامة عفيفي، موشحات سيد درويش

 

منير مراد

ملحن مصرى متعدد المواهب اشتهر بالألحان الخفيفة والاستعراضية للسينما

تميزت ألحانه بالخفة والمرح والسرعة والرشاقة بالإضافة إلى بساطة الجملة اللحنية وجاذبيتها وإجادة المزج بين الموسيقى الشرقية والغربية ، ووضعته ألحانه مبكرا على خريطة الملحنين الجيدين فى مصر

منير مراد 5

برع منير مراد فى إنتاج الموسيقى الراقصة والاستعراضية في مصر واكتسبت ألحانه فى السينما لشادية وعبد الحليم حافظ شهرة هائلة وكان لهما النصيب الأوفر من ألحانه ، ولحن أيضا لعدد كبير من المطربين والمطربات منهم شريفة فاضل ومحرم فؤاد ووردة

وله ألحان كة تذكرنا بفنه الجميل فمن منا لا يذكر دبلة الخطوبة أو وحياة قلبى وأفراحه التى غناها كل مصرى وكل عربى ودخلت كل بيت تملؤه بهجة وفرحا وما زالت تشع بهجتها كل عام بعد خمسين عاما !

ولنتأمل هذه القائمة التى تضم أشهر ألحان منير مراد وهو له مئات غيرها

الأغنية

كلمات

غنـــاء

مقـــام

ألو .. ألو .. أحنا هنا

فتحي قورة

شادية

عجم / ماجير

ان راح منك يا عين

فتحي قورة

شادية

نهاوند/ مينير

خمسه في سته

حسين السيد

شادية

عجم / ماجير

سوق على مهلك

جليل البنداري

شادية

نكريز

على عش الحب

مرسي جميل عزيز

شادية

نهاوند/ مينير

القلب معاك

فتحي قورة

شادية

كورد

ما اقدرش أحب أتنين

فتحي قورة

شادية

حجازكار

يا دبلة الخطوبة

جليل البنداري

شادية

عجم / ماجير

يا سارق من عيني النوم

جليل البنداري

شادية

عجم / ماجير

دور عليه تلقاه

فتحي قورة

شادية

عجم / ماجير

حارة السقايين

حسين السيد

شريفة فاضل

عجم / ماجير

فلاح

حسين السيد

شريفة فاضل

بياتى

أول مرة تحب ياقلبي

إسماعيل الحبروك

عبد الحليم حافظ

كورد

باحلم بيك

مرسي جميل عزيز

عبد الحليم حافظ

حجاز

بأمر الحب

مرسي جميل عزيز

عبد الحليم حافظ

كورد

بكره وبعده

فتحي قورة

عبد الحليم حافظ

عجم / ماجير

دقوا الشماسي

مرسي جميل عزيز

عبد الحليم حافظ

كورد

ضحك ولعب وجد وحب

مرسي جميل عزيز

عبد الحليم حافظ

عجم / ماجير

وحياة قلبي وأفراحه

فتحي قورة

عبد الحليم حافظ

عجم / ماجير

شفت بعيني

مرسي جميل عزيز

محرم فؤاد

نهاوند/ مينير

العناصر الموسيقية فى ألحان منير مراد

بحث وتحليل د.أسامة عفيفى

1. استخدام المقامات

من هذه القائمة لأشهر ألحان منير مراد نرى سبعة مقامات هى العجم ، النهاوند ، الكورد ، الحجاز ، الحجاز كار ، النكريز ، البياتى ، والمقام الوحيد الذى يعتمد أساسا على ربع التون الشرقى هو مقام البياتى ، بينما بقية المقامات لا تحتوى على ربع التون وهى بذلك تقبل العزف على الآلات الغربية ، أما اللحن البياتى فهو لحن “فلاح” لشريفة فاضل فالمفترض أنه لحن ريفى لا يمكن تخيله بصيغة “خواجاتى” ولذلك فقد اختار له مقاما محليا شرقيا لاقترابه من ألحان الفولكلور

هذا عن المقام الأساسى للأغنية ، لكن ليس معنى ذلك إطلاقا أنه لم يستخدم المقامات الشرقية الشهيرة كالراست والسيكاه والبياتى وحتى الصبا ، فكان يفعل ذلك بكل حرية داخل الأغنية بعد ما يتأكد من أن المذهب قد استقر له كما أراد ، مثال ذلك أغنية ضحك ولعب وجد وحب مقامها الأساسى ماجير بينما الكوبليه الأخير من مقام السيكاه المصور فى جملة أيوه يا دنيا أيوه كده يأتى مفاجأة تامة بعد لحن أشبه بألحان السيرك يستخدم الأوركسترا الكامل والإيقاع الغربى التكوين ، لكنها مفاجأة سارة أحسن بها التعبير عن الكلمات فى هذا المقطع ولم تمنعه غربية الأسلوب العام للحن عن الدخول إلى أكثر المقامات الشرقية تعقيدا للتعبير عن النص ، ثم إنه لم يجد صعوبة بالمرة فى العودة منه للتيمة الأساسية رغم بعد التوقع فى الدخول والخروج ، وهذا يعنى أنه كان متمكنا من أدواته وحريصا على التوظيف الجيد لما يستخدمه بحيث لا تسيطر الصنعة والقالب على التعبير

نجد أيضا لحنا شعبيا دارجا فى أغنية شريفة فاضل حارة السقايين رغم كون لحنها الأساسى لا يحتوى على ربع التون الشرقى لكن مقام العجم من ناحية مقام شرقى أيضا فى الأصل ومنه مئات الألحان بل والليالى والمواويل ، ومن ناحية أخرى فإن جو النص ينتمى إلى الأحياء الشعبية فى المدينة ولا مجال هنا للتحديث أو التغريب وبالتالى لزم التعبير عنه بلحن يتماشى مع هذا الجو

2. استخدام الآلات

استخدم منير مراد آلات غربية فى معظم ألحانه كالجيتار والبيانو والساكسفون والأبوا والكلارنيت والفلوت وقد ميزت أصوات هذه الآلات ألحانه وأكسبتها صبغة خاصة ، و يتماشى هذا تماما مع اختياره للمقامات التى تتوافق معها كما ذكرنا ، وحرص فى أحيان كثيرة على البدء بأحدها فى أول اللحن ، ولا شك أن تلك الآلات غير التقليدية والبعيدة عن جو التخت الشرقى القديم المعتمد على الوتريات التقليدية كالعود والقانون والكمان والناى البلدى قد أصفت على ألحانه جوا فائق الحداثة

3. استخدام الإيقاع

حرص منير مراد على إظهار الإيقاع فى ألحانه وكما استخدم الآلات الإيقاعية الغربية أشرك آلات الأوركسترا الأخرى فى أداء الجمل الإيقاعية مع آلات الإيقاع ، وكان يضع لكل لحن إيقاعا خاصا يعبر عن مناسبة النص ، لكنه بصفة عامة كان يميل إلى استخدام إيقاعات سهلة سريعة تضفى كثيرا من الحيوية على اللحن ، وأحيانا يغير الإيقاع فى وسط اللازمة الموسيقية أو الكوبليه الغنائى بجملة اعتراضية رشيقة تكون أحيانا ذروة اللحن ولهذا تعددت الإيقاعات فى ألحانه

بالإضافة إلى ذلك استخدم الإيقاعات الغربية على ألحان شرقية بالطريقة التى كان يستخدمها عبد الوهاب فى ألحانه للسينما فى الثلاثينات والأربعينات

4. التعبير اللحنى

الميلودى عند منير مراد جذابة إلى حد بعيد ، وقلما تسمع له لحن لا تجذبك جملة معينة فيه على الأقل ، وفى أحيان كثيرة تشعر برقة فى الإحساس ودقة فى التعبير التعبير تجعلك تتساءل من هو ملحن هذه الكلمات ..

ان راح منك يا عين

لنتأمل مثلا لحن “ان راح منك يا عين .. ح يروح من قلبى فين؟” الكلمات بالمناسبة للشاعر الغنائى التاريخى فتحى قورة، بلغ لحن هذا الجملة من الرقة أنه يعبر عن إحساس عميق بالحيرة بين الأمل وخيبة الأمل ، انكسار حزين فى الشطرة الأولى ثم تفاؤل كبير فى الشطرة الثانية ، والتعبير عن الموقفين المتضادين يأتيك فى ثوان معدودة وبمنتهى الدقة .. أما عمليا فقد توقف بالأولى على ركوز مقام النهاوند العاطفى ثم هبط نصف درجة ليلمس بالكاد حساس المقام الأدنى تأكيدا للانكسار ثم يصعد فى الشطرة الثانية ليتوقف بنهايتها على الدرجة الثانية وهى درجة غير مستقرة توحى غالبا بالتساؤل وهو تعبير غاية فى التوفيق فهو ما تتضمنه النص فعلا ! .. تعبير دقيق الإحساس عميق الشعور يعطى الكلمات حقها ويحقق الجو النفسى الذى أراده الشاعر .. هذا الصدق فى التعبير هو الذى يجعل الكلمات والألحان تعيش أطول .. حتى بعد وفاة مبدعيها

وحياة قلبى وأفراحه

مثال آخر في لحن النجاح “وحياة قلبي وأفراحه .. وهناه في مساه وصباحه” .. بعد هذا القسم الشعبي في الاستهلال تأتي جملة “ده مفيش في الدنيا فرحان زي الفرحان بنجاحه” نرى تصاعد اللحن في سلم تبادلي يؤكد العبارة كلمة كلمة حتى يصل إلى كلمة “بنجاحه” فيتم التركيز عليها وكأنها قمة جواب القسم في ختام الجملة لتعطى إيحاء قويا بأن النجاح هو موضوع الغنوة كلها .. وإذا أضفنا لذلك استخدام التصفيق اليدوي على الإيقاع الراقص ومصاحبة اللحن بالزغاريد تكتمل الصورة الاحتفالية وتحدث تأثيرها المباشر في الجمهور

شفت بعينى

مثال قوي لحسن التعبير يأتى أيضا في لحن منير مراد “شفت بعيني” لمحرم فؤاد .. في جملة “شفت عيون حلاوتها تخلي .. حتى اللي مالوش قلب يحب” ، والكلمات الرقيقة لشاعر تاريخي آخر هو مرسي جميل عزيز ، فى الشطرة الأولى تقرير ثابت .. اللحن أيضا يروح ويجيء في نفس الموضع وكأن الناظر لا يستطيع الفكاك من موضعه! .. فى الثانية رد فعل وأثر مباشر وتعبير عن هول الوقوع في الحب من أول نظرة .. استمع إلى كلمة حتى ..  فقط هذه الكلمة .. إنها الاستثناء وإنها المستبعد وإنها المستحيل .. ثم تركيز على المستثنى “اللى مالوش قلب” .. ثم النتيجة الحتمية فى كلمة واحدة .. “يحب” .. يصعد بها لنهاية الجملة ويقف هناك دون حراك فى تعجب بالطبع لأنها تقف على الدرجة الخامسة و لا تقف على ركوز المقام وإلا كانت جوابا متوقعا وشيئا طبيعيا لا غرابة فيه

بالإضافة إلى هذه الدقة الشديدة في التعبير عن المواقف الشعرية والتراكيب اللفظية فإن لدى منير مراد الكثير للتعبير عن الجو العام للنص ، ولا شك أن ذلك يبدأ عنده من اللحظة الأولى ، لحظة اختيار المقام والإيقاع والآلات مرورا بالموسيقى إلى الغناء مع مراعاة الالتزام بالتعبير عن النص كلما اختلف الموقف الشعري والشعور الإنساني المقصود

أيوه يا دنيا

كما ذكرنا في الحديث عن استخدام المقامات فإن انقلاب لحن “ضحك ولعب وجد وحب” من الماجير إلى السيكاه انقلاب يحسبه السامع لأول وهلة يكاد يهدم بناء اللحن كله .. أو على الأقل ترصيع من باب القص واللصق ، وقطعا هناك محاولات كثيرة كهذه سبقت هذا اللحن بواسطة ملحنين آخرين تراوحت بين النجاح والفشل ، فلماذا نجح انقلاب منير بينما فشل فيه آخرون؟  

التعبير هو الإجابة .. في تلك المحاولات كانت المسألة صنعة بالدرجة الأولى بينما في هذا اللحن ينقلك التحول من حالة المرح إلى حالة الفرح ، والفرق كبير .. فالمرح سلوك لكن الفرح إحساس .. والمرح يمكنك التمتع به دون سبب معين ، لكن فى حالة الفرح هناك سبب كبير للشعور به .. ولنتأمل الكلمات .. عندما يغنى شخص “أيوه يا دنيا .. أيوه كده .. عمرى ما شفتك حلوة كده .. ولا غنيت لك غنوة كده” .. فمؤكد أن هناك سبب قوي للفرحة لابد أن يؤكده اللحن .. والشعور هنا يجب أن يستدعى إليه وجدان الشخص الأصيل ، وربما تاريخ وذكريات حياته كلها . والانطلاق لحالة نفسية كهذه لا بد أن ينبع من أعماق الذات التي تدرك أن حدثا كبيرا جميلا قد أتى لها بالسعادة بعد طول انتظار .. وإذاً فليس المقام مقام مرح ولعب وليس الإيقاع صاخبا وليس اللحن لهوا أو زخرفا .. جاء لحن هذا المقطع شرقيا تماما أصيلا في مقامه وفي إيقاعه بعيدا عن جو السيرك المنصوب من أول الأغنية ، ثم يتدرج فى الهبوط بعد صيحة الفرحة في أول المقطع مع تذكر أن هذا الشعور لم يأت من قبل أبدا وأن شريط ذكريات العمر يمر في لحظات قصيرة تتأثر خلالها النفس بطول الحرمان السابق .. هذا هو ما أراده الشاعر الفيلسوف ، وهذا هو الذي نسمعه في النغمات التي تهبط سريعا بالكلمات وتتخافت كأنها في حديث داخلي مع النفس ، وهذا هو فى الحقيقة البعد النفسي الذى يجعل من هذا الموقف موقفا قد يشعر به الإنسان فى أي زمان أومكان ويضيف قيمة كبيرة لمجرد القول بأن الدنيا قد أصبحت جميلة فى لحظة ما

نقــد منير مراد

1. رغم إمكانياته الهائلة كملحن موهوب خاصة فى الاسكتشات والاستعراضات لم تستثمر هذه الإمكانيات في مجال المسرح الغنائى واقتصر نشاط منير مراد على السينما والأغاني الفردية ، وربما يرجع السبب لكون المسرح الغنائى نفسه قد نراجع كثيرا أمام انتشار السينما الطاغي

2. رغم نجاحه في القيام ببطولة فيلمين فى أول حياته الفنية تمثيلا وغناء فإن الأفلام نفسها لم تلق النجاح الكافي لمواصلة التجربة ، وقد وعى الدرس اقتصر على التلحين ولم يعد للتمثيل ولا للغناء بعدها

3. مارس منير مراد دور الملحن المحترف باقتدار ورافق عبد الحليم وشادية في مشوارهما السينمائى بألحان ناجحة

4. لم نعثر فى قوائم ألحان منير مراد على قصائد شعرية بالعربية الفصحى ، وقد يعزى ذلك إلى نشأة منير مراد فقد شذ عن معظم الملحنين بعدم انتمائه إلى المدرسة الأصيلة التى تخرج منها معظمهم وهي إجادة اللغة العربية وحفظ القرآن الكريم وتلقى تعليمه الأساسى في مدرسة فرنسية

5. فيما عدا نشيده الرائع “يا مصر قومي وانهضي” في فيلمه “أنا وحبيبي” عام 1953 الذى ظهر فيه بزي الجيش المصري لم يشترك منير مراد رغم معايشته لفترة المد الوطني والموكب الفني القومي الذى ساد في الخمسينات والستينات بأغان وطنية عكس معظم الفنانين ، وربما كان ذلك جزئيا بسبب أصوله اليهودية رغم أنه أشهر إسلامه في أواخر الأربعينات وكذلك أخته الفنانة ليلى مراد ورفض كلاهما الهجرة إلى إسرائيل في موجات الهجرة اليهودية من مصر وفصلا البقاء فى مصر ، وتزوج من مصرية مسلمة هى الفنانة سهير البابلى كما تزوجت ليلى من الفنان أنور وجدي ، وعاصر أربع حروب بين مصر وإسرائيل في 1948 و 1956 و 1967 و 1973 وعاش أيام الثورة المصرية وجمال عبد الناصر وأيام السادات وظل يعمل فى الحقل الفني إلى قبل وفاته بقليل فى 17 أكتوبر 1981 عن حوالي ستين عاما، لكن ربما كان هناك أيضا بعدا سياسيا لعدم اشتراك منير في المسيرة الوطنية التى غلب عليها الطابع السياسي أيام الثورة، فقد هاجر إلى إسرائيل فنانون مصريون يهود مثل أسرة داود حسني وهاجرت راقية ابراهيم إلى أمريكا ولم يكن من المناسب على أي حال أن تعتمد الأجهزة الإعلامية المصرية على فناني الطائفة اليهودية للتعبير عن مصر بعد قيام إسرائيل وآثار حرب 1948 تلقي بظلالها على المنطقة وسياساتها ، ومن المؤكد أن القيادة المصرية كانت تفضل شخصية جديدة مثل عبد الحليم حافظ لا تحوم حولها الشكوك وتكون أكثر حماسا بطبيعتها لتقدم ما هو أكثر من المسايرة ، ويبدو أن منير مراد لم يجد ترحيبا بقيامه بهذا الدور الحساس ، ولكن سمح له بدور الفنان المحترف ولسنوات طويلة بعيدا عن السياسة ، اعترافا بفنه من ناحية وتقديرا أيضا لكونه قد خرج عن انتمائه للطائفة اليهودية قبل قيام الثورة بسنوات مما يدلل على صدق توجهه دون شبهة تملق أو ازدواجية

6. ساهم الملحن منير مراد كثيرا في إدخال المرح والبهجة في قلوب ونفوس الجماهير العربية بألحان ذات ذوق راق وإحساس رقيق وحداثة غاية فى الجمال ، لكنه كغيره من الملحنين المبدعين الذين لم يظهروا كثيرا بأصواتهم تبقى أسماؤهم خلف الكواليس بينما يخطف المطربون كل بريق الشهرة وأضوائها .. منير مراد فنان لا يقل إبداعا وحسنا عن الموجي وكمال الطويل وبليغ حمدي ومحمود الشريف إن لم يتفوق أحيانا ، وستظل ألحانه التي أسعدت الملايين تسعد أجيالا كثيرة قادمة – بحث وتحليل د.أسامة عفيفي ، منير مراد

حياة وفن منير مراد

ولد بالقاهرة في ١٢ يناير عام ١٩٢٢  

نشأ منير مراد ، واسمه الحقيقى موريس زكي مراد ، في أسرة فنية وهو شقيق المطربة ليلى مراد لوالدهما المطرب زكي مراد الذي اشتهر فى أوائل القرن العشرين

اشتهر في طفولته بموهبة التقليد البارع ، وكان يقلد أفراد أسرته في الكلام والحركات ،وقد ساعدته هذه الموهبة في عمل اسكتشات تقليد الفنانين فيما بعد

التحق بمدرسة الفرير الفرنسية التي تعلم فيها داود حسنى ونجيب الريحانى وفريد الأطرش وأخته آمال الأطرش (أسمهان)

عام 1939 أتم منير مراد دراسته بالكلية الفرنسية وهو في الخامسة عشرة

أحب الموسيقى في شبابه وتعلم العزف على العود

فى الأربعينات بدأ العمل في أعمال بعيدة عن الفن إلى أن قادته هوايته للسينما ، وكان معجبا بالأفلام الاستعراضية الأمريكية ، لدخول الاستديو كعامل كلاكيت ثم تدرب مع المخرج توجو مزراحي وعمل معه كمساعد مخرج ثم مع كمال سليم واستمر فى هذه المهنة لحوالى 150 فيلم

داخل استديوهات السينما تعرف منير مراد على الملحنين والمطربين واستمع إلى العديد من الألحان مما زاد من شغفه بالموسيقى ومن ثم راودته فكرة تلحين أغاني الأفلام

فى الخمسينات بدأ منير مراد تجربته بتلحين الألحان الخفيفة ذات الطابع الغربي الراقص

عام 1951 لاحت لمنير مراد أول فرصة في الشهرة بلحن “واحد اتنين” للمطربة شادية في فيلم ليلة الحنة وكانت بداية سلسلة من الألحان الناجحة لشادية لا زالت تسمع لليوم

عام 1953 قام ببطولة فيلم أنا وحبيبي كممثل ومطرب وراقص

عام 1955 قام ببطولة فيلم نهارك سعيد

عام 1955 في أول أفلام عبد الحليم فيلم لحن الوفاء قدم أول لحن لعبد الحليم “تعال أقول لك” مع شادية

عام 1956 في فيلم دليلة أغنيتين لعبد الحليم إحداهما بالاشتراك مع شادية

عام 1957 في فيلم الوسادة الخالية أغنية عبد الحليم حافظ الشهيرة أول مرة تحب يا قلبي إلى جانب ألحان أخرى للموجي وكمال الطويل وبليغ حمدى

عام 1957 في فيلم فتى أحلامى أغنية بكرة وبعده لعبد الحليم أيضا بجانب مع ألحان للموجي والطويل وبليغ حمدي

عام 1958 في فيلم شارع الحب أغنية علمني الحب لصباح مع ألحان أخرى لنفس الملحنين لعبد الحليم

عام 1959 في فيلم حكاية حب قدم أغنية باحلم بيك لعبد الحليم حافظ

فى الستينات

عام 1961 في فيلم يوم من عمري تألق منير مراد بثلاثة ألحان لعبد الحليم من أربعة في فيلم واحد هى بأمر الحب ، خايف مرة أحب ، ضحك ولعب وجد حب

عام 1962 في فيلم الخطايا قدم منير مراد لعبد الحليم أشهر ألحانه على الإطلاق وحياة قلبي وأفراحه

عام 1967 في فيلم معبودة الجماهير قدم لحن الدويتو حاجة غريبة لعبد الحليم وشادية

عام 1969 في فيام أبي فوق الشجرة آخر أفلام عبد الحليم لحن استعراض قاضي البلاج ( دقوا الشماسي) مع ألحان لعبد الوهاب ويليغ والموجي فى نفس الفيلم

يظهر من هذه القائمة كيف كان منير مراد قاسما مشتركا في تلحين أغانى أفلام أحب النجوم لجماهير السينما عبد الحليم وشادية

فى السبعينات استمر منير مراد في التلحين حتى لحن لأجيال جديدة مثل عفاف راضي وهاني شاكر ومحمد ثروت

من أعمال منير مراد

من ألحان منير مراد لعبد الحليم

أول مرة تحب يا قلبي ، بكرة وبعده ، باحلم بيك ، بأمر الحب ، خايف مرة أحب ، ضحك ولعب وجد حب ، وحياة قلبي وأفراحه ، حاجة غريبة ، دقوا الشماسي

من ألحان منير مراد لشادية

القلب يحب مرة  ، الو الو، اوعى تسيبني ، اسم الله عليك ، الدنيا مالها ، تعالي اقولك ، حاجة غريبة ، دور عليه ، سوق على مهلك ، شبك حبيبي ، ما اقدرش احب إتنين ، يا سارق من عيني النوم ، يا دبلة الخطوبة ، لسانك حصانك، يا دنيا زوقوكي ، وعد ومكتوب ، منايا اغني

منير مراد وصباح

اسكتش رمضان مع فؤاد المهندس

اللي اتمنيته لقيته

ألحان منير مراد لشريفة فاضل

 فلاح ، حارة السقايين ، الليل ، الصبر

منير مراد وأصوات أخرى

ابعد عن الحب                         عادل مأمون

ابعد يا حب                              عفاف راضي

أبو شامة اسكندراني            طروب

أنا أحبك                                  عايدة الشاعر

تسلم لقلبي                          هدي سلطان

رمش الغزال                           محمد قنديل

شغلوني عيونك                     فايزة أحمد

شفت الحب                            محرم فؤاد

غلاب الهوى                           مها صبري

قسمة ونصيب                       هاني شاكر

كعب الغزال                            محمد رشدي

مرجيحة الحب                        ليلي جمال

من يوميها                              وردة الجزائرية

يعني وبعدين                        نجاح سلام

 

بليغ حمدى

بليغ حمدىبليغ حمدى 1934- 1993

ملحن موهوب قدم ألحانه بصوت العديد من المطربين والمطربات على رأسهم أم كلثوم وعبد الحليم حافظ ، بدأ بليغ مشواره الفنى فى أوائل الخمسينات من القرن العشرين فلحق بقطار الملحنين الجدد بعد جيل الرواد الكبار ، وبلغ انتشار بليغ حمدى أوجه فى السبعينات حيث ذاعت ألحانه لأم كلثوم وعبد الحليم وخلقت له سوقا رائجا بين المطربين حتى لحن لمعظمهم ، وبالإضافة إلى أصوات شادية ووردة ونجاة ومحمد رشدى كان هناك ربما عشرات من الأصوات الأخرى باختلاف حظها من الشهرة تغنى من ألحان بليغ فقارب إنتاجه 1500 لحن

ولد بليغ حمدي في 7 أكتوبر 1934 لوالده عبد الحميد سعد الدين أستاذ الفيزياء بجامعة القاهرة ، التحق بليغ حمدي بكلية الحقوق ومعهد الموسيقى العربية فى نفس الوقت ، وتم اعتماده بالإذاعة بعد تخرجه كمطرب ثم كملحن للمطربة فايدة كامل ومن وقتها تفرغ للتلحين وترك الغناء

بليغ وعبد الحليم – بدايات

تخونوه ، كلمات اسماعيل الحبروك 

خايف مره أحب ، خسارة ، كلمات مأمون الشناوى

فى هذه المجموعة يقدم بليغ نفسه كملحن ينتمى إلى جيل شباب الملحنين كمال الطويل ، محمد الموجى ومحمد فوزى ، بالتالى كانت ألحانه فى الخمسينات تحمل بصمات تلك الفترة والتى كان من أهم خصائصها

1.  الابتعاد عن الطرب بأسلوبه القديم

2.  استخدام الميكروفون لتوصيل الصوت بدلا من الصوت البشرى القوى ، أو بعبارة أخرى استبدال الحناجر الحساسة بالحناجر القوية فى الغناء ، واستلزم هذا التغير تغييرا فى صياغة الألحان

3. الاعتماد على الجمل الموسيقية القصيرة والألحان الخفيفة

4.  استخدام الأوركسترا الشرقى المحدث مكان التخت الشرقى القديم

5. سيادة الأغنية الرومانسية

6.  مخاطبة جمهور الطبقة المتوسطة كمستمع أساسى بالكلمات واللحن والأداء

تجربة الأغانى القصيرة – الستينات

التــوبة: كلمات عبد الرحمن الأبنودى

سـواح: كلمات محمد حمزه 

على حسب وداد: كلمات صلاح أبو سالم

قبيل تقديم هذه المجموعة أعلن بليغ مقدما أنه وعبد الحليم سيقدمان نوعا جديدا من الأغنية هو الأغنية القصيرة ذات الثلاث دقائق حيث كانت الأغنية وقتها تستغرق عشر دقائق فى المتوسط لكن هذا التقديم لم يتحقق فكلها طالت بكثير عن الدقائق الثلاث

لكن الأغنيات الثلاث احتفظت بسمة مشتركة وهى أنها كلها مشتقة من ألحان فولكلورية جاهد بليغ لاكتشافها وتنقيحها ومن ثم تقديمها فى قالب عصرى ، ساعده فى ذلك مؤلفو تلك الأغانى الذين أضافوا إلى كلمات الفولكلور الأصلى من أجل صناعة أغنية جديدة كاملة ، ولنتأمل مذاهب هذه الأغنيات قليلا:

التوبة: “أنا كل ما اقول التوبة يا بوى ترمينى المقادير يا عين”

سواح: “إن لقاكم حبيبى سلموا لى عليه”

على حسب وداد: “على حسب وداد قلبى يا بوى راح اقول للزين سلامات”

ولم تكن الكلمات فقط هى المأخوذة من الفولكلور وإنما أخذت بألحانها الشعبية الأصلية وأدمجت فى أغان عصرية بطريقة مبتكرة وجذابة أحبها الجمهور وأقبل عليها ، ونظرا لبساطة وجاذبية الجمل الميلودية الأصلية مع أصالة كلماتها كرافد شعبى استمرت فى وجدان الجمهور لمدة طويلة وربما لليوم

ولا شك أنها كانت لفتة ذكية من بليغ الذى قدم مثل هذه الأغنيات مع مغنين آخرين مثل شادية ووردة ومحمد رشدى ، زاد أن هذا الاتجاه إلى جذور الفن الشعبى فيما بعد وسار فيه فنانون آخرون وصاحبه اتجاه مواز إلى جذور الفن العربى القديم خاصة الموشحات فيما يمكن وصفه إجمالا بحركة العودة إلى الجذور والتى بدأت كإفاقة فنية صاحبت إفاقات فى مجالات أخرى عقب أحداث النكسة

والواقع أن هذه الحركة كانت إحدى وسائل البحث عن الذات أمام تيار الإحساس بالضعف والافتقار إلى الجدية كما كانت وسيلة حماية ضد تيار الفن الهابط الذى بدأ يظهر فى ذات الفترة كانعكاس وأثر لأحداث الهزيمة

من الناحية الفنية جاءت أغنية :التوبة” نموذجا مختلفا تماما عما كان يقدمه بليغ فى السابق وأسلوبا جديدا فى معالجة الفولكلور ، وكانت نقلة نوعية وخطوة للأمام بفضل سرعة الإيقاع والتوزيع الموسيقى الشيق واستخدام مقام الحجازكار فى الغناء وهو مقام يتميز بشرقية أنغامه رغم عدم احتوائه على أرباع التون كما أنه غير مطروق نسبيا بالنسبة للغناء عامة فى ذلك الوقت

وليته استمر على ذلك المنوال لكنه سرعان ما تخلى عنه فى الأغنيتين التاليتين لصالح التلحين التقليدى ثم دخل بعد ذلك فى مشروعات الأغانى الطويلة لعبد الحليم والتى نعتبر بالنسبة للحن التوبة خطوة للوراء فيما عدا لحنين هما “أعز الناس” و”موعود” ، وحتى فى هاتين لم يكن التطوير إلا جزئيا ، وفى موعود بالذات نسمع خليطا من الفولكلور فى المذهب “ميل وحدف منديله” وجزء غاية فى الحداثة فى “تانى تانى تانى” ثم اللحن التقليدى بعض المقاطع نسمع فى الكوبليه الأخير “ابتدا المشوار”

أغنيات وطنية لعبد الحليم

عدى النهار: كلمات عبد الرحمن الأبنودى

فدائى: كلمات عبد الرحمن الأبنودى

البندقيه اتكلمت: كلمات محسن الخياط

عاش اللى قال: كلمات  محمد حمزه

اشتهر على وجه الخصوص من هذه المجموعة أغنيتان هما “عدى النهار” و “سكت الكلام والبندقية اتكلمت” وقد غناهما عبد الحليم بعد حرب 1967 وأثناء حرب الاستنزاف ، وأغنية عدى النهار خاصة تشكل وقفة هامة فى الضمير الفنى للمجتمع ، فهى أغنية حزينة تعبر عن صدمة الهزيمة المفاجئة بكلمات موجعة تقول: “وبلدنا على الترعة بتغسل شعرها .. جانا نهار ماقدرش يدفع مهرها”

عندما قابلت الأبنودى فى الإذاعة بعدها بسنوات ، كان قد غير كلماته وأغانيه وغلب على أشعاره الطابع الغنائى التجارى ، سألته مباشرة: هل أنت الذى كتب عدى النهار؟ أدرك الرجل أننى لم أقصد السؤال حرفيا لكنه قال نعم أنا اللى كتبتها ، ثم تأكد له ما قصدت عندما سألته: طيب إيه اللى حصل؟ قال: “كل وقت وله أذان ، الدنيا اتغيرت والناس اتغيرت والوقت اتغير ، والكلام كمان اتغير”..!

الأغانى الطويلة: الستينات – السبعينات

أغانى الهوى

جانا الهوى ، زى الهوا ، كلمات محمد حمزه

الهوى هوايا ، كلمات عبد الرحمن الأبنودى

رغم انتشار أغانى هذه المجموعة لم تتحقق لها أية ريادة من الناحية الفنية فقد كانت ألحانها فى الأغلب عبارة عن “تشكيلة” من الأنغام استخدمت فيها إيقاعات فجة وجمل لحنية غير مترابطة وافتقرت إلى الجماليات التعبيرية والإحساس بصفة عامة ، وبلغت من التعقيد والتطويل حد الملل أحيانا واشتركت جميعها فى استخدام غناء الكورس الصاخب

لم تكن هذه الأغانى مناسبة للوقت الذى قدمت فيه أيام حرب الاستنزاف بعد حرب 1967 ، ولم يكن متوقعا أن يقدم بليغ وعبد الحليم على تقديم سلسلة من الأغانى الصاخبة والحرب لم تضع أوزارها بعد ، ولم يشفع لهما تقديم أغان وطنية وسط هذه الموجة من اللامبالاة بما يحدث للناس وللأرض ، حيث تعود الناس من عبد الحليم مشاركته بالغناء فى الأحداث الوطنية بما أسهم كثيرا قبل ذلك فى التعبئة ورفع الروح المعنوية

موعود: كلمات محمد حمزة

لأغنية موعود مكانة خاصة وسط ألحان بليغ حمدى لأنها قدمت نموذجا جديدا فى التلحين فى أكثر من مقطع

1. الكوبليه الأول الذى يبدأ بالكلمات “تانى تانى تانى .. راجعين انا وانت تانى .. للنار والعذاب من تانى”، يستمر اللحن على إيقاع اللازمة الموسيقية بدون توقف ، صحيح أنه لم يستمر طويلا لكنه أدى الغرض من ناحية التجديد ، لم يكن هذا النموذج تماما من ابتكار بليغ ، فقد سبقه عبد الوهاب فى ذلك لكن لبليغ فضل استخدامه لأنه ينطوى على حركة تطوير وتحديث بلا شك عزف عنها كثير من الملحنين التقليديين، وقد حذا الموجى حذوهما فى قصيدة قارئة الفنجان فى المقطع:”بصرت ونجمت كثيرا..”

2. فى اللازمة الموسيقية لنفس الكوبليه يستخدم بليغ أسلوب التصاعد الصوتى “الكريشندوcrescendo” ” بتمكن تام وبطريقة أخاذة وهو أسلوب لم تعتده الأذن العربية ، لكن مرة أخرى لم يكن بليغ أول من أدخل هذا الأسلوب ، فقد استخدمه أيضا ببراعة عبد الحليم نويرة فى عروض التراث القديم للفرقة العربية مما جعل الجمهور يصغى أكثر لما يسمعه ، فبما عدا ذلك تراوحت أنغام موعود بين الفولكلور واللحن التقليدى كما ذكرنا

أعز الناس: كلمات مرسى جميل عزيز

جاءت أغنية أعز الناس بتغيير كبير فى أسلوب بليغ ، وربما كان للمنافسة مع خاصة محمد عبد الوهاب وكمال الطويل أثرا فى إحداث ذلك التغيير ، فقد اهتم فيها بالموسيقى كما لم يهتم من قبل ، وإذا كان قد عرف ذلك عن عبد الوهاب فإنه لم يعرف عن كمال الطويل لكن اجتهاد الطويل الموسيقى فى أغنية بلاش عتاب كان ظاهرا وكان تغييرا فى ألحان الطويل نفسه بموسيقى تميل إلى القالب الأوركسترالى الموزع بدلا من التيمات الشعبية أو الألحان الخفيفة

أغانى طويلة أخرى

أى دمعه حزن لا ، حاول تفتكرنى ، كلمات محمد حمزه

مداح القمر ، كلمات محمد حمزة

تندرج هذه المجموعة من الأغانى مع مجموعة أغانى الهوى تحت قالب “التشكيلة” حيث جاءت بمقدمات موسيقية مركبة وكوبليهات طويلة وإيقاعات متغيرة ونغمات متعددة بما يجعل الأغنية تفتقر إلى البناء الدرامى والنسيج المترابط ، وقدمت فى وقت كانت الأغنية الطويلة فيه “موضة العصر” حتى لمطربى الدرجة الثانية أو الثالثة أحيانا ، وكان الملحنون يستعرضون قدراتهم فى تلك الأغانى بحشد كل ما يمكن من جمل وإيقاعات فى أغنية واحدة على حساب البناء الدرامى للحن ، وفى فترة لاحقة أدرك الجميع أن تلك الموجة لم تكن فى الاتجاه الصحيح من أجل موسيقى أفضل بدليل عزوف الجمهور عن الأغنية الطويلة بعد وفاة نجومها ، ولم يحتفظ لمدى طويل فى ذاكرته إلا بكلاسيكيات أم كلثوم وعبد الوهاب التى تمتعت بقدر أفضل من الترابط والانسجام فضلا عن التعبير

بليغ حمدى وأم كلثوم

ترتيب بليغ حمدى زمنيا هو العاشر ضمن 12 ملحنا لحنوا لأم كلثوم وقد بدأ التلحين لها عام 1960 بأغنية “حب إيه” من كلمات عبد الوهاب محمد ، أما أول من لحن لها فكان أحمد صبرى النجريدى عام 1924 ، وتبدو المفارقة واضحة بين عمر أم كلثوم ومكانتها وبين عمر بليغ ومكانته عندما تعرفت على الملحن الشاب وهو لم يكمل الثلاثين من عمره بعد ولم يكن له شأن كبير فى عالم التلحين فى ذلك الوقت

ولكى تكتمل المفارقة يحكى بليغ حمدى قصة لقائه بأم كلثوم فيقول أنه قرا كلمات الأغنية عند صديقه الملحن محمد فوزى وكان الأخير يعدها لأم كلثوم من تلحينه هو ، فى الزيارة التالية أخبر بليغ فوزى أنه قد أعد لحنا لنفس الكلمات فطلب منه أن يسمعه له فأعجبه ، يقول بليغ أن فوزى أخذ تسجيل اللحن كما وضعه بليغ وأسمعه لأم كلثوم فقبلته على أنه من ألحان محمد فوزى ، لكنه أخبرها أن اللحن ليس له بل لملحن جديد شاب اسمه بليغ حمدى ، لكن هذه الأخبار لم تجعل أم كلثوم تغير رأيها واستدعت بليغ للتعرف إليه وبدء البروفات ، طبعا كان محمد فوزى ضحية لإخلاصه لصديقه فقد صعد نجم بليغ بتلحينه لأم كلثوم وضاعت فرصة فوزى الوحيدة فى التلحين لها عندما دخل بعد ذلك فى صراع مع المرض وتوفى بعدها بسنوات قليلة

  • 1960 حب إيه: كلمات عبد الوهاب محمد – مقام بياتى
  • 1961 أنساك: كلمات مأمون الشناوى – مقام راست
  • 1962 ظلمنا الحب: كلمات عبد الوهاب محمد – مقام بياتى
  • 1963 كل ليلة و كل يوم: كلمات مأمون الشناوى – مقام راست
  • 1964 سيرة الحب: كلمات مرسى جميل عزيز – مقام راحه أرواح
  • 1965 بعيد عنك: كلمات مأمون الشناوى – مقام بياتى
  • 1967 فات المعاد: كلمات مرسى جميل عزيز – مقام راحة أرواح
  • 1969 ألف ليلة و ليلة: كلمات مرسى جميل عزيز – مقام فرحفزا
  • 1971 الحب كله: كلمات أحمد شفيق كامل – مقام راست
  • 1973 حكم علينا الهوى: كلمات عبد الوهاب محمد – مقام راست

لنتأمل هذه القائمة:

1. عشرة ألحان فى أغان عاطفية خلال 13 سنة

2. فى المجموعة الأولى لحن كل سنة ، وفى الثانية لحن كل سنتين

3. لحن وطنى واحد من من كلمات عبد الفتاح مصطفى

4. هناك نوعان من الألحان تقليدية ومحدثة ، والتقليدى هو ما لحنه بليغ لأم كلثوم حتى عام 1965 ، وبدءا من 1967 غير بليغ أسلوبه إلى التجديد والابتكار واستخدام الجماليات الموسيقية فى تطوير شامل لألحانه وقد نجح فى ذلك التغيير بدءا من أغنية فات المعاد وإلى أغنية الحب كله عام 1971 وإن شذ عن هذا الاتجاه فى آخر لحن له لأم كلثوم “حكم علينا الهوى” وهو آخر ما غنت عام 1973

الواقع أن بليغ اجتهد كثيرا من أجل تطوير ألحانه وقدم أعمالا أحبها الجمهور بصوت أم كلثوم ، ويمكن اعتبار ألحانه لأم كلثوم حتى عام 1965 امتدادا لخط ومدرسة السنباطى التقليدية

لكن الفضل فى اتجاهه للتحديث ربما رجع إلى دخول منافس قوى إلى ساحة أم كلثوم عام 1964 هو محمد عبد الوهاب الذى اعتمد على استخدام الموسيقى قبل الكلمات فى الوصول إلى آذان وإحساس الجمهور وهو أسلوب لا يطيقه الملحنون التقليديون ، وكان نجاحه فى ذلك إلى حد الإبهار ، ولم يكن أمام الملحنين الآخرين إلا الدخول فى المنافسة أو الخروج من الساحة حيث أن الحكم هذه المرة كان الجمهور نفسه ولم يكن النقاد ولا أم كلثوم ، فقد فرض عبد الوهاب ذوقه على الجميع بميله التواق إلى التجديد دائما وكونه يتمتع بملكة التأليف الموسيقى إلى جانب كونه ملحنا ، وقد قبل بليغ التحدى فأخرج أفضل ما عنده ، وكذلك ملك الألحان التقليدية رياض السنباطى ، وكان من نتائج تلك المنافسة أن التطور الحاصل لم يكن فى ألحان أم كلثوم فقط بل امتد ليشمل الحركة الموسيقية كلها ونستطيع القول بأنه شمل تطورا فى ذوق الجمهور أيضا الذى أحب التجديد وأصبح يشتاق إلى سماع الموسيقى حتى لو لم يصحبها صوت أم كلثوم

ألحان بليغ لوردة الجزائرية

لم تكن تجربة بليغ مع المطربة وردة ناجحة لا بالمقياس الفنى ولا بالمقياس الاجتماعى ، قبل زواج بليغ من وردة غنت له أغنية مقتبسة من لحن فولكلورى شهير هو “يا نخلتين فى العلالى” ، وانتشرت الأغنية فى الواقع بسبب اللحن القديم الذى أدخله بليغ كما هو دون تعديلات بصوت الكورس لكن بقية اللحن كان فى واد آخر ولم وخلا تماما من الجماليات أو حتى الترابط اللحنى مما أضعف الأغنية كثيرا

اقترن زواج بليغ من المطربة وردة الجزائرية بسلسلة من الألحان الطويلة استعرضا فيها صوت وردة القوى الذى أطل على الجمهور من خلال الحفلات والسهرات والراديو والسينما ، بعد تلك السلسلة انفصل الزوجان وذهب كل فى طريق ، وانتشرت أغانى وردة هذه كثيرا لكن لم يكتب لأى منها الاستمرار فى ذاكرة الجمهور أو الذاكرة الفنية بوجه عام ، ذلك أنها أيضا اعتمدت على أسلوب التشكيلة والاعتماد على الصنعة الموسيقية دون الإحساس والتعبير ، حاول الاثنان كثيرا لجعل وردة تبدو وكأنها خليفة أم كلثوم على عرش الغناء بعد اعتزالها الغناء عام 1973 لكن ذلك لم يتحقق ، بل على العكس كلما تذكر الناس وردة رددوا أغنيتها القديمة “لعبة الأيام” من ألحان رياض السنباطى فى الستينات ونسوا تقريبا كل ما غنته لبليغ

بليغ ونجاة الصغيرة

لحن بليغ لنجاة الصغيرة عدة أغنيات أشهرها “أنا باستناك” و “الطير المسافر” ، ولحن “أنا باستناك” من أجمل ألحان بليغ حمدى الأغنية الرومانسية من كلمات مرسى جميل عزيز ونال شهرة كبيرة لرقة اللحن والكلمات وبراعة التعبير الموسيقى عن صور النص الدرامية ، ولهذه الإغنية مقدمة موسيقية جميلة تخللها سولو لآلة الناى فى منتهى الرقة والعذوبة أداه عازف الناى الشهير محمود عفت وهو شقيق الفنانة نجاة الصغيرة

ألحان لصباح:

“عاشقة وغلبانة” ، “زي العسل” ، “يانا يانا” ، “امورتي الحلوة” ، “كل حب وأنت طيب”  ، لم يكن يكن بليغ موفقا فى ألحانه لصباح ، فرغم تعددها جاءت كلها ألحان ضعيفة لا تتناسب مع موهبة بليغ ولا قدرات صوت صباح

ألحان شادية:

أشهرها “قولوا لعين الشمس” ، “خدني معاك” ، “يا أسمرانى اللون” ، وهى أغان اعتمدت على تقديم فولكلورى كما كان الحال مع عبد الحليم حافظ ومحمد رشدى ، لكن بليغ فى هذه المحموعة أحدث يعض التغييرات فى اللحن القديم وأضاف كالعادة لحنا من عنده لإكمال الأغنية .. وإجمالا كانت هذه التجارب مع شادية ألحانا عادية لم تقدم جديدا إلى الموسيقى العربية ولم يكن لها دور إلا تذكير الناس بالفولكلور الشعبى

تجربة عفاف راضى

فوجئ الجمهور والوسط الفنى عام 1970 بلحن لبليغ حمدى بصوت جديد لمطربة شابة درست الغناء الأوبرالى فى كونسرفاتوار القاهرة يقول “ردوا السلام” .. اللحن بسيط والكلمات أبسط لكن الصوت والأداء كان مختلفا عما تعوده الجمهور ، ثم أتبعا تلك الأغنية التى أحبها الجمهور لبساطتها ورقتها بسلسلة من الأغنيات فيما عرف بثنائى بليغ – عفاف راضى

قيل وقتها أن التجربة ستضيف أسلوبا جديدا للغناء العربى ، ربما فى تجربة مشابهة لما حاول محمد القصبجى عمله مع صوت أسمهان ، لكن تقليدية الألحان لم تسمح بأى تطوير يذكر ولم يستخدم بليغ أية أساليب جديدة للاستفادة من الصوت الأوبرالى ، كما أن المطربة بدت وكأنها قد نست كل ما تعلمته فى الكونسرفاتوار واستهواها الأسلوب الشرقى التقليدى فلم تقدم شيئا جديدا فى عالم الغناء ، كما أن ضعف الكلمات لم يساعد الملحن كثيرا فى إضافة لمحات تعبيرية ذات قيمة

بليغ والأغانى الشعبية

مع محمد رشدى ومحمد العزبى قدم بليغ حمدى سلسلة من الأغانى الشعبية المستمدة من الفولكلور مثل “عدوية أهى”  و “ميتى أشوفك” لمحمد رشدى ، وأغنية بهية لمحمد العزبى ، نجحت هذه السلسلة كثيرا وانتشرت حتى أصبحت تغنى فى الأفراح وعلى لسان معظم المطربين المغمورين وبها أثبت بليغ أن دوره فى تطوير الغناء الشعبى لا يقل عن دوره فى الغناء الرومانسى

وربما كانت أغنية “عدوية” المكتوبة بشاعرية فائقة للشاعر عبد الرحمن الأبنودى أهم ما جاء فى سلسلة ألحان بليغ لرشدى ، فقد خلا النص تقريبا من الكلمات التقليدية وامتلأ بالصور الدرامية والتعبيرات الشعبية الجميلة ، أما لحن ميتى أشوفك فيبدو أن بليغ قد تأثر به كثيرا إلى حد اقتباسه مرة أخرى فى موسيقى مقدمة أغنية ألف ليلة لأم كلثوم على آلة الساكسفون وقدم بطريقة غاية فى البراعة

أغنية “بهية” التى غناها التى محمد العزبى ، وهى أيضا مقتبسة من الفولكلور ، واحدة من سلسلة تجارب طويلة لبليغ حمدى مع الفولكلور الشعبى ، وكانت سببا فى شهرة مطربها وخروجه من الحيز المحدود كمطرب مغمور فى فرقة فنون شعبية إلى عالم الأغنية الفردية وأضوائه ، ولا شك أن بليغ حمدى قد وفق كثيرا فى إبداعها كلحن شعبى بل إنها فاقت جميع ألحانه مع محمد رشدى وشادية كأغنية مستمدة من الفولكلور وأحبها الجمهور كثيرا حتى أنه يطلب من العزبى غناءها فى كل حفل ، ولا يمكنه ترك المسرح قبل تلبية الطلب

أغانى وطنية لبليغ حمدى

عبد الحليم: عدى النهار ، سكت الكلام ، فدائي ، عاش اللي قال

وردة: بسم الله ، على الربابة

شادية: يا حبيبتي يا مصر

فى هذه الأغانى اتبع بليغ خطا واحدا هو التلحبن الفورى التقليدى ، لم نسمع فيها قالب النشيد ، ولم نسمع التوزيع الأركسترالى ولا غناء المجموعات القوى الذى يتناسب مع الأحداث الوطنية ، وغلبت الصنعة على التعبير كما حدث فى كثير من ألحان بليغ

ولنتأمل أغنية “سكت الكلام والبندقية اتكلمت ..” جملة سكت الكلام نسمعها فى صيحة قوية ، بينما جملة البندقية اتكلمت نسمعها تخبو بسرعة أسفل السلم فى ضعف تام .. من المؤكد أن تلك الكلمات لم تأخد حقها من التعبير على الإطلاق ، ولنقارنها مثلا بلحن الطويل لأم كلثوم والله زمان ياسلاحى ، وهو وإن كان فى قالب النشيد لم يخل من الطرب ، لنسمع جملة هموا وضموا الصفوف .. شيلوا الحياة ع الكفوف ، يا ما العدو راح يشوف ..

أما أغنية “حبيبتى يا مصر” فهى وإن اقتصرت على لحن واحد لجميع الكوبليهات فقد اشتهرت كثيرا لبساطة لحنها ، وإجمالا لم يكن لبليغ حمدى دور فعال فى التعبئة الوطنية بألحان تثير احماسة أو على الأقل الإحساس الجارف الذى تثيره عادة الأغانى الوطنية ولذا قال عنه بعض النقاد أنه بالتعبير الدارج “مالوش فى الوطنى..!”

بليغ فى المسرح والسينما:

أوبريتات مهر العروسة ، ياسين ولدي ، جميلة ، ريا وسكينة

للسينما: أفلام شيء من الخوف ، أبناء الصمت ، اه يا ليل يا زمن ، العمر لحظة

دخل بليغ حمدى عالم السينما وهو يرتدى لا يزال ثوب الملحنين ، ولم يكن له خبرة بالموسيقى التصويرية ، وربما اعتقد هو أو من اختاره من المخرجين أنها خطوة للأمام ، لكن الواقع أنها كانت تجربة سلبية من عدة أوجه:

1. أن موسيقاه كانت أقرب لأسلوب التلحين منها إلى التصوير

2. بليغ قد خرج منها كما دخلها ، أى ملحنا وليس موسيقيا فلم يستفد هو منها اللهم إلا المكسب المادى!

3. أن دخول بليغ حمدى إلى هذا الميدان فى السبعينات بهذه الصورة شجع آخرين من الملحنين وممن هم أقل منه موهبة وخبرة على الإقدام على وضع موسيقى تصويرية للسينما مما أساء لموسيقى السينما لفترة طويلة بعد أن كان هذا الميدان حكرا على الموسيقيين دون الملحنين فى قائمة ضمت أسماء كبرى مثل فؤاد الظاهرى ، ابراهيم حجاج ، أندريا رايدر ، عزت الجاهلى ، وخسرت السينما كثيرا بهذا التغيير إلى أن أفاق المخرجون فى التسعينات وابتعدوا عن إسناد الموسيقى التصويرية لملحنى الأغانى فساعد ذلك على ظهور جيل جديد من الموسيقيين المبدعين أعدوا موسيقى تصويرية جديدة وبفضلهم وضعت على السينما على الطريق الصحيح فيما يتعلق بالموسيقى ، ومن هؤلاء ظهرت أسماء مثل عمر خيرت ، خالد حماد ، مودى الإمام ، راجح داود وغيرهم ، وهؤلاء اقتصر نشاطهم على الموسيقى دون التلحين ، وفى رأينا ورأى كل ناقد موضوعى أن هناك فرق كبير بين مهمة الملحن ومؤلف الموسيقى ، كما أن مواهب وقدرات الفنانين تختلف وليس كل ملحن باستطاعته التأليف الموسيقى ولا كل موسيقى باستطاعته التلحين ، صحيح أن هناك قلة اجتمعت لها الموهبتان لكن هذا استثناء من القاعدة العامة

ألحان بليغ لغير المشهورين

معظم ألحان بليغ لغير المشهورين من المطربين أعدت على عجل حيث كثر عليه الطلب كملحن فى أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات بعد اعتزال معظم الملحنين الرواد ، وقد غلب عليها الطابع التجارى حيث قصد المطربون والمطربات الجدد إلى استخدام اسم بليغ كمدخل للشهرة أكثر من قصدهم إنتاج ألحان ذات قيمة فنية عالية ، كان ضمن هؤلاء مجموعة من بلاد المغرب العربى التى كثرت رحلات بليغ إليها ، وكان المطربون يقبلون كل ما ينتجه ما دام يحمل اسمه ، لذا لم يكتب لأى من هذه الألحان والتى بلغت المئات أى نصيب من الشهرة أو الاستمرار ، ثم إنها حتى لم تؤد الغرض التجارى الذى صنعت من أجله فلم نسمع عن اسم اشتهر لمجرد أن بليغ لحن له

نقد بليغ حمدى

يمكن أن نستخلص من هذا العرض نظرة نقدية فى فن بليغ حمدى تتلخص فى:

  1. لا شك أن بليغ حمدى فنان موهوب يتمتع بحس موسيقى رائع
  2. بينما تألق بليغ حمدى فى ألحانه لأم كلثوم لم تكن ألحانه لغيرها من المطربين والمطربات فى نفس المستوى ، ولا يمكن إرجاع السبب هنا لجودة صوت أم كلثوم أو رداءة الأصوات الأخرى فإن هؤلاء الفنانين الذين غنوا لبليغ قد نجحوا أكثر مع ملحنين آخرين ، ربما نستثنى من ذلك صوت محمد رشدى ومحمد العزبى فى الألحان الشعبية
  3. أضاف بليغ حمدى فى ألحانه المتأخرة لأم كلثوم أدوات جديدة جعلت الموسيقى تبدو أكثر عصرية خاصة فى الإيقاعات والآلات المستحدثة وفى استخدامات الآلات كالجيتار والأورج والساكسفون
  4. بذل بليغ جهدا كبيرا فى سبيل تطوير الأغنية الشعبية وتحديثها وله تجارب عديدة ناجحة فى هذا المجال
  5. رغم اجتهاده فى وضع موسيقى الأفلام والمسرحيات لم يوفق بليغ فى تلك المهمة بسبب تكوينه كملحن
  6. انشغل بليغ كثيرا بالنشاط التجارى خاصة فى المراحل الأخيرة من أيام نشاطه وقام بتلحين عشرات ومئات الأغانى مما أثر على جودة ألحانه بسبب قلة التركيز وقلة الوقت والإجهاد المستمر
  7. لم يبذل بليغ حمدى جهدا كبيرا نحو تلحين القصائد ، وهى أحد الروافد الهامة للغناء العربى
  8. إجمالا يظل بليغ حمدى أحد الملحنين الكبار الذين أمتعوا الأسماع بفن جميل وراق وسنظل نذكر له ألحانه الرائعة

ألحان بليغ حمدى لعبد الحليم

  • تخونوه اسماعيل الحبروك
  • خايف مره أحب مأمون الشناوى
  • خسارة مأمون الشناوى
  • التوبة عبد الرحمن الأبنودى
  • سواح محمد حمزه
  • على حسب وداد قلبى صلاح أبو سالم
  • فدائى عبد الرحمن الأبنودى
  • عدى النهار عبد الرحمن الأبنودى
  • البندقيه اتكلمت محسن الخياط
  • عاش اللى قال محمد حمزه
  • جانا الهوى محمد حمزه
  • الهوى هوايا عبد الرحمن الأبنودى
  • زى الهوا محمد حمزه
  • أعز الناس مرسى جميل عزيز
  • موعود محمد حمزة
  • أى دمعه حزن لا محمد حمزه
  • مداح القمر محمد حمزة
  • حاول تفتكرنى محمد حمزه
 

كمال الطويل

كمال الطويل 1922 – 2003 ( 81 عاما )

كمال الطويل

كمال الطويل

كمال الطويل أحد أعلام الموسيقى العربية وأحد الملحنين المجددين ، والمستمع لأعماله يجد فيها بجانب الروح الشرقية انطلاقا نحو التجديد وبعدا عن التقليدية فى معظم ألحانه ، وهو من الملحنين القلائل الذين استطاعوا تقديم أفكار جديدة من المقامات المعتادة ، ومعظم ألحان كمال الطويل جاءت فى حقبة الخمسينات والستينات ، ورغم وجوده على الساحة حتى عام 2003 إلا أنه كان مقلا كثيرا فى نشاطه الفنى بعد الستينات

رحلـــة الفـــن

تعلق الشاب كمال الطويل بالموسيقى منذ صغره ، وكان يهوى الغناء والتلحين ، وبدأ بارتجال بعض الألحان التى ذهب بها إلى الشيخ زكريا أحمد ليسمع رأيه فيها ، كان كمال يود أن يسمع بعض الثناء والتشجيع من الشيخ الكبير ، لكن الشيخ زكريا باغته بنصيحة قاسية ، قال له اذهب لتتعلم العود أولا!

فكر الشاب المتحمس فى نصيحة الشيخ وقرر أن يعمل بها ، وخيرا فعل ، فالتحق بمعهد الموسيقى العربية بالإسكندرية عام 1946 وكان أستاذه بالمعهد الفنان السكندرى محمد عفيفى حيث درس العود والمقامات والنوتة الموسيقية لمدة سنتين ثم انتقل إلى القاهرة وأكمل دراسته بمعهد الموسيقى العربية ليتخرج منه عام 1949

التقى كمال الطويل أثناء دراسته بعبد الحليم حافظ وكان أول من لحن له وانعقدت بينهما صداقة امتدت لعقود

احترف الطويل التلحين طوال حياته ولم يقدم على الغناء بل إنه كان يمتنع عن تسجيل أى شيء بصوته! وعمل بالإذاعة المصرية إلى 1956 ثم بوزارة التعليم إلى 1965

خلال الخمسينات قدم كمال الطويل نفسه للجمهور من خلال صوت عبد الحليم حافظ ، واشترك الاثنان فى أعمال كثيرة حققت انتشارا كبيرا وجماهيرية واسعة , وبصفة عامة فهى أغان عاطفية أو وطنية ، ومن أشهر ألحان الطويل العاطفية لعبد الحليم حافظ فى يوم فى شهر فى سنة

فى يوم فى شهر فى سنة .. تهدا الجراح وتنام

وعمر جرحى أنا .. أطول من الأيام

عام 1955 لحن كمال الطويل لأم كلثوم قصيدة لغيرك ما مددت يدا من كلمات طاهر ابو فاشا ، ، وفى عام 1956 قدمت له أم كلثوم قصيدة أخرى هى غريب على باب الرجاء من كلمات طاهر ابو فاشا أيضا ، ولم تكن تغنى إلا للثلاثة الكبار محمد القصبجى ، زكريا أحمد ورياض السنباطى ، وقد سبقه بعام واحد فى التلحين لها من الملحنين الجدد محمد الموجى فى نشيد يا مصر إن الحق جاء من تأليف أحمد رامى

عرف فن الخمسينات فى مصر بالاتجاه الوطنى ، وكانت الأغانى الوطنية ، بحكم المناخ السياسى ، هى الأعلى صوتا رغم وجود الكثير من الألوان الأخرى ، وقد نجح كمال الطويل فى ركوب هذه الموجة الوطنية التى سبقه إليها الملحنون الكبار مثل محمد عبد الوهاب ورياض السنباطى ، واستعان بصوت عبد الحليم الشاب لينضم إلى قافلة الملحنين ذوى الأسماء اللامعة ، لكنه فى قفزة كبرى وأثناء حرب السويس عام 1956 قدم أقوى وأشهر ألحانه على الإطلاق بصوت أم كلثوم وهو نشيد والله زمان يا سلاحى من كلمات صلاح جاهين ، والذى أصبح النشيد القومى لمصر حتى عام 1971 ، وقد اشترك بهذا اللحن فى تقديم أحد أكبر ثلاثة أعمال وطنية فى تلك الفترة ، أما العمل الثانى فكان نشيد الله أكبر الجماعى من ألحان محمود الشريف ، والثالث نشيد دع سمائى لعلى إسماعيل غناء فايدة كامل ، وكلها فى قالب النشيد وساهمت كثيرا فى رفع الروح المعنوية وتعبئة الجماهير ضد العدوان الثلاثى

نشيد والله زمان يا سلاحى – غناء أم كلثوم 1956

حكاية شعب – عبد الحليم 1959 

خلال الستينات كون كمال الطويل مع صلاح جاهين وعبد الحليم حافظ ثلاثيا كان آلة الثورة الإعلامية الأولى وكون صداقات وطيدة مع عديد من الشعراء أقربهم صلاح جاهين ، وكانت الأغانى الوطنية التى قدمها الثلاثى تعبر عن طموحات الثورة فى وقت السلم وأهمها الحرية والتنمية الشاملة والوحدة العربية وهى ألحان نالت قدرا هائلا من الشهرة والانتشار وحفظها الشباب عن ظهر قلب ، وقد استخدم فيها التيمات والإيقاعات الشعبية الأقرب إلى أسماع الجمهور ، منها حكاية شعب (السد العالى) من كلمات أحمد شفيق كامل ، ومن كلمات صلاح جاهين أغنيات المسئولية ، بستان الاشتراكية ، صورة صورة ، يا أهلا بالمعارك ، بلدى يا بلدى ، وجميعها من غناء عبد الحليم الذى حالفه الحظ بغناء تلك الأغنيات التى أسهمت كثيرا فى صعود نجمه كمطرب الجماهير ، وكانت تلك الأغانى تقدم فى كل عام أغنية ، عادة فى شهر يوليو موعد احتفالات الثورة المصرية ، وكما استفاد منها عبد الحليم استفادت الثورة أيضا لأن تلك الأغنيات كانت تتمتع بشيئين هامين أولهما بساطة اللحن وشعبيته ، وثانيهما الكلمة الجديدة التى حملت من الأحلام الوطنية والاجتماعية ما لف الناس حولها بالملايين ، ومن الناحية اللحنية لم يكن أى منها فى قالب النشيد بل ألحان تحمل طابع الطرب الشعبى فى كثير من مقاطعها كما تحمل سمات الهتاف الجماعى فى بعض الفقرات ، وهو مزيج لم يقدم من قبل ونجح كمال الطويل فى هذا الابتكار كثيرا

أغانى وطنية فى الستينات

بالأحضان – عبد الحليم

بلدى يا بلدى – عبد الحليم

يا أهلا بالمعارك – عبد الحليم

صورة – عبد الحليم

فى الستينات أيضا قدم الطويل بصوت عبد الحليم عدة أغان عاطفية أبدعها بلاش عتاب ، وفى هذا اللحن أفكار موسيقية مستوحاة من الشرق والغرب عرضها الطويل فى قالب عصرى وخلفية هارمونية غاية فى الدقة والبراعة

بلاش عتاب –  غناء عبد الحليم حافظ

فى لحن هذه الأغنية من مقام دو ماجير والتى قدمت فى أحد أفلام الستينات قدر هائل من الخيال الموسيقى العذب ، وقد تفوق فيه الطويل الموسيقار على الطويل الملحن بمراحل فقد استخدم جملا موسيقية حديثة غاية فى الإبداع فى المقدمة والفواصل الموسيقية غلفها بتوزيعات موسيقية غنية وأداء أوركسترالى ممتاز ، كما استخدم الآلات الغربية كالجيتار والبيانو فى تناغم تام مع الأوركسترا ، ومزج الطويل بين روح الموسيقى الكلاسيكية الغربية الفاخرة والموسيقى الغربية العصرية مع الاحتفاظ بطابع شرقى فى موسيقاه ، استخدم الطويل أيضا التوزيع الهارمونى والكونترابونتى فى المقدمة وفى معظم المقاطع الموسيقية إلى جانب ، وهذا هو الجديد ، بعض المقاطع الغنائية أيضا ، وهو شيء نادر فى الموسيقى العربية

لكن مع هذا لم تتمتع المقاطع الغنائية بقدر كاف من الطرب الشرقى ، ومن المفارقات النادرة أن تتمتع الموسيقى بقدر أكبر من الطرب فى نفس الأغنية ، كما يلاحظ أن اللحن رغم طوله النسبى لم يشهد تحولا كبيرا فى المقامات ، والانتقال المقامى فيه كان محدودا جدا فهناك فقط ثلاثة انتقالات مقامية جاء أولها من دو ماجير إلى فا ماجير فى المقطع الثانى من الأغنية ثم موسيقيا إلى دو مينير فى المقطع الثالث وغنائيا إلى فا مينير فى نفس المقطع ومن ثم العودة إلى المقام الأساسى دو ماجير ، وجملة نستطيع تمييز لحن بلاش عتاب كأحد الأعمال المتقدمة والتى كان يرجى للموسيقى العربية أن تقدم مثلها الكثير

فى أواخر الستينات فاجأ كمال الطويل الجمهور بلحن لفاتنة السينما سعاد حسنى غنته أمام حسين فهمى رمز الوسامة فى السينما العربية ، وكانت أغنية يا واد يا تقيل الخفيفة فى فيلم خللى بالك من زوزو عام 1969 رغم خفتها وبساطتها شيئا جديدا تماما على الساحة الفنية ، فهى نقلة نوعية فى ألحان الطويل ، وإن لم تكن بالضرورة نقلة للأمام ، وغنتها ممثلة لم تحترف الغناء ، لكنها ذاعت وانتشرت بطريقة لم يسبق لها مثيل ، ولم تكن نقلة للملحن فقط فقد كانت للمؤلف أيضا وهو نفسه صلاح جاهين الذى كتب أغانى الثورة الوطنية ، وقد فاجأ هو الآخر الجمهور بكلمات خفيفة تجئ على لسان فتاة تتغزل فى ملامح الشاب الوسيم بعيد المنال الذى تتمنى حبه وتعلن له إصرارها على التعلق به ، ترى ما سر هذا التحول للملحن والمؤلف؟! اشتركت أغنية أخرى فى فيلم لاحق هو أميرة حبى أنا فى خلق جو جديد بعيد عن أغنيات الحرب والقتال رغم ظهورهما بعد حرب يونيو وأثناء حرب الاستنزاف الشهيرة ، فغنت سعاد حسنى الدنيا ربيع والجو بديع ، وكأن شيئا لم يكن!

فى تلك الفترة انتكست ثورة يوليو بحرب يونيو 1967 ، ولم يعد من المناسب أو المقبول التغنى بأحلام أفاق الشعب على خلوها من أى قاعدة حقيقية ولا التغنى ببطولات جيش منهزم ، وتأثر الفنانون كما تأثر الشعب بآثار النكسة التى أصابت الجميع بإحباط شديد ، وانفض سوق الأغانى الوطنية ليحل محلها ذلك النوع من الأغانى البعيدة كل البعد عن التعبئة السياسية وإلإعلام الثورى ، وكان نزول المؤلف الكبير والملحن الكبير إلى تلك الساحة إيذانا ببدء مرحلة من التراجع عن الإبداع المستقبلى وإبداله بفن التسلية

خلال السبعينات

فى عام 1973 وبعد ست سنوات من القلق واليأس والاكتئاب فوجئت الشعوب العربية بحرب أكتوبر كما فوجئ العالم كله ، وكانت المفاجأة ذات وجهين ، الأول مفاجأة شن الحرب ، والثانى مفاجأة الانتصار فيها ، استمرت موجات التقدم العسكرى شرق قناة السويس وفى الجولان وسط أفراح غامرة ، ثم أجهضت تلك الانتصارات بقرارات دولية لوقف إطلاق النار بعد أسبوعين فقط من القتال المصحوب بروح عالية وشعور متميز باسترداد الكرامة التى فقدت عام 1967 ، وتمنى الناس الاستمرار فى الحرب وإكمال تحرير الأرض لكن كل شيء توقف فجأة ، وقررت القيادات إكمال المسيرة بالسياسة بدلا من القتال ، عندها خشى الناس انقضاض العدو مرة أخرى وساد القلق من عواقب الاسترخاء العسكرى ، وقدم عبد الحليم حافظ أغنية خللى السلاح صاحى من ألحان الطويل فى عودة هادئة للأغانى الوطنية فى تلك الأيام التى أعقبت توقف القتال ، معبرة عن حرص الشعب على استمرار اليقظة تجاه العدو وحمل السلاح رغم قرارات وقف إطلاق النار بعد الانتصار السريع والمفاجئ ، لم تكن الأغنية نشيدا ولا هتافا ، وإنا نغمات حزينة على إيقاع هادئ لكنه يتصاعد تدريجيا ليصل إلى قمة تحذيرية فى كلمة صاحى

لم يصحب حرب أكتوبر اى عمل فنى ذى قيمة ، وقد قدم بليغ حمدى مجموعة من الأغنيات الوطنية أثتاء تلك الحرب لكنه لم ينجح فى اى منها ولم يكن لها أى نصيب من الجماهيرية ، وكذلك بعد الملحنين الآخرين عن الساحة رغم ظروف النصر ، وربما كان السبب سرية قرار الحرب الذى استلزم انعدام التعبئة الشعبية بعكس ما حدث فى الحروب السابقة ، ومن المفارقات الغريبة ارتباط الأناشيد الحماسية بالهزائم وارتباط النصر بالأغانى الهزيلة! وعند تلك النقطة تقريبا توقف السيل الفنى الوطنى القوى بشقيه الحماسى والشعبى ودخلت الأغنية الوطنية فى حلقة مفرغة من الأغانى مدفوعة الأجر تقدم فى ذكرى أكتوبر من كل عام ثم تذهب أدراج الرياح ، لكن نشيدا واحدا استطاع أن يبرز تلقائيا ويفرض نفسه على الساحة الشعبية والرسمية منذ عام 1967 وإلى يومنا هذا ، فقد تذكر الشعب نشيده القديم العظيم بلادى بلادى لملحنه الغائب الحاضر سيد درويش ، وأصبح الناس يرددونه فى كل مكان ومناسبة إلى أن أعلن نشيدا قوميا لمصر عام 1979 وإلى الآن

غنى من ألحان الطويل أفضل الأصوات مثل نجاة الصغيرة ، صباح ، وردة ، وعبد الحليم حافظ ، كما ألف موسيقى السلام الوطنى للكويت وموريتانيا ، ولعدة سنوات عمل كمستشار لوزارة الإعلام الكويتية

بعد رحيل عبد الحليم عام 1977 لم يقدم كمال الطويل ألحانا كثيرة لكنه قدم بعض الأعمال المتواضعة نسبة إلى إمكانيات الطويل وموهبته الفنية منها لحن على صوتك بالغنا لسه الأغانى ممكنة غناء محمد منير من كلمات عبد الرحمن الأبنودى ، وهى كلمات وإن كانت تدعو إلى التفاؤل تشير إلى مدى الاكتئاب الحاصل بعد كل هذه السنين من الاجترار السياسى والاجتماعى والفنى

قام الطويل أيضا بتلحين أغنية فيلم المصير ليوسف شاهين كما ألف الموسيقى التصويرية لأفلام ومسلسلات تليفزيونية منها مسلسل هو وهى بطولة أحمد زكى وسعاد حسنى ، وفيلم تسجيلى عن نجيب محفوظ

موسيقى تصويرية – فيلم المصير

تلقى كمال الطويل جائزة الدولة التقديرية قبل وفاته بأيام وتوفى فى 9 يوليو 2003 بعد رحلة حافلة دامت 81 عاما اجتهد فيها ليقدم إبداعات أثرت الموسيقى العربية بكثير من التجديد واحتفظ فى نفس الوقت بأصالة الفن الشرقى

 

محمد المــوجى

محمد الموجي ملحن موهوب له بصمة مميزة فى الموسيقى العربية ، وهو من الملحنين القلائل الذين يوحى ذكر أسمائهم بتوقع الجودة

محمد الموجى

محمد الموجى

قدم ألحان الموجى نخبة من كبار المطربين على رأسهم أم كلثوم وعبد الحليم حافظ ، وكون مع كمال الطويل ثنائيا موسيقيا كان له الفضل فى وضع صوت عبد الحليم حافظ على سلم النجاح

ولد محمد الموجى فى عام وفاة الموسيقار سيد درويش 1923، بمحافظة كفر الشيخ بمصر وبدا حياته الفنية مطربا لكن الجمهور العريض لم يعرفه إلا كملحن

خصائص فنه

تفرد الموجى بخصائص مكنته من الوصول إلى درجة عالية من الكفاءة منها:

  • طرق أساليب متطورة فى التلحين
  • الاهتمام بدور الموسيقى إلى جانب الغناء
  • اتباع المدرسة التعبيرية
  • المزج بين الأساليب الشرقية والغربية
  • الدقة فى تنفيذ الألحان
  • الإنتاج الغزيـر

الخمسينات – بداية قويــة

بدأ الموجى مشواره الفنى كملحن فى أوائل الخمسينات فى لحن فاجأ الجميع بحداثته هو صافينى مرة بصوت عبد الحليم حافظ ، كان عبد الحليم قد بدأ بالفعل رحلته الغنائية مع صديقه الملحن كمال الطويل لكن هذا اللحن أصبح من أشهر أغنيات عبد الحليم وقت ظهور محمد الموجى كان فى الساحة عبد الوهاب والسنباطى وزكريا من الرواد وفريد الأطرش وكمال الطويل الملحن الجديد المتحمس ، وكان عليه أن يجد له مكانا وسط هؤلاء ، وقد نجح فى ذلك استعان الموجى بصوت عبد الحليم كما استعان عبد الحليم بألحانه ، إذ كان كلاهما ميالا إلى التحديث واستخدام أساليب متحررة غير تقليدية ، وكانت هناك أصوات كبيرة مثل كارم محمود ، محمد عبد المطلب ، عبد الغنى السيد ، شهرزاد ، لكنها أصوات اعتادت الألحان التقليدية ، وبينما اعتمدت ألحانه على الموسيقى أكثر من اعتمادها على الطرب ساعده ظهور اصوات جديدة فى تلك الفترة أيضا على اقتحام ميدان التلحين بأسلوبه منهم فايزة أحمد ، صباح ، شادية ، محرم فؤاد ، وماهر العطار ، ورغم ذلك حدثت المفارقة الكبرى ، فإن الصوت الذى حمل الموجى إلى النجومية كان أكثر الأصوات تقليدية وهو صوت أم كلثوم

الموجى وعبد الحليم حافظ

بدأ عبد الحليم شهرته على يد محمد الموجى ، وكان نجاح صافينى مرة حافزا قويا للاثنين لاستمرار التعاون بينهما فاستمر عبد الحليم فى الغناء من ألحان الموجى لعدة عقود أنتجا خلالها معا عشرات الأغانى التى انتشرت خاصة بين الشباب ، واشتهر للثنائى عدة أغنيات فى الخمسينات بعد صافينى مرة منها يا مواعدنى بكرة ، ظالم ، يا حلو يا اسمر ، نار يا حبيبى

نموذج صافينى مرة

تمثلت مفاجأة هذا اللحن فى استخدام المقدمة الموسيقية كتيمة أساسية فى اللحن – مقام كورد – ثم كون المقدمة نفسها لحنا جديدا ركز على عناصر حديثة فى التكوين النغمى والإيقاع والآلات مستمدة من الأسلوب الغربى الشائع فى تلك الفترة ، وهو بذلك قد أعاد أسلوب عبد الوهاب الذى اشتهر به فى أفلام الثلاثينات والأربعينات حيث كان يضع ألحانه على أحدث الإيقاعات الغربية الشائعة ، ورغم هذا لم يكتمل نموذج صافينى مرة كما كان متوقعا ، فرغم الاستهلال المحدث وإدخال إيقاع جديد عليه بصمة الموجى فى وصلة الكوبليه الثانى واستخدام إيقاع التانجو فى الكوبليه الثالث كان الكوبليه الأول غاية فى التقليدية ، وكانت هناك عودة إلى إلى الجمل التقليدية فى نهاية كل كوبليه والحقيقة أن المقدمة الموسيقية والغنائية فى صافينى مرة هى ما كتب له البقاء فى ذلك اللحن أكثر من غيرها كعنصر جديد ، وظلت بقيته أسيرة الماضى التقليدى ، لذا كان على الموجى أن يحاول أكثر

الصعود إلى القمة

الموجى - ناصـروبينما كان للجو المجتمعى والفنى العام السائد فى تلك الأيام أثر فى نجاح هذا اللون من الألحان ، كان عبد الوهاب قد تخلص من هذا وتفرغ لتقديم بقية قصائده الكبرى التى اجتاحت الشرق واحتاجت الكثير من الشرقية وعمق التعبير مثل النهر الخالد وغيرها ، كما دخل فريد الأطرش فى حالة من الإفراط فى الشرقيه إلى حد استخدام الموال كأحد عناصر ألحانه الرئيسية ، وكان السنباطى غارقا فى رومانسيات أحمد رامى لأم كلثوم ، بينما كان القصبجى قد اعتزل التلحين واعتكف الشيخ زكريا بعد خلافهما مع أم كلثوم لفترة طويلة فى تلك الفترة كانت الثورة المصرية حديثة العهد والجميع يتطلع إلى شكل جديد من الحياة ، وبدأ أيامها نزع الطرابيش من على الرؤوس وارتداء الزى الحديث بكثرة وتغير مظهر المجتمع خاصة فى المدن ، وبدت الحياة متجهة نحو التحرر من كل قيود الماضى وأشكاله ورموزه وهكذا وجد الموجى نفسه ، ومعه كمال الطويل وعبد الحليم حافظ ، فى طريق التجديد ليس فقط بالتحرر من من القوالب التقليدية بل أيضا بتوفر موضوعات جديدة يغلب عليها الطابع الوطنى الذى صاحب ثورة يوليو ، ولمحمد الموجى صورة شهيرة يقف فيها مع أم كلثوم إلى جوار كل من جمال عبد الناصر وأنور السادات تدل على مدى قربه من قيادة الثورة ، ولم يكن باستطاعته ذلك لولا تقديم أم كلثوم له إلى القيادة بطبيعة الحال ، أما قربه هو من أم كلثوم فيبدو أن نجاحه مع غيرها كان السبب فى لفت نظرها إليه غير أن ألحان الموجى الوطنية فيما عدا نشيد الجهاد لم تخرج فى قالب النشيد فقد مالت أكثر إلى الألحان الشعبية مثل محلاك يا مصرى وانت ع الدفة التى غنتها أم كلثوم تحية للمرشدين المصريين أيام تأميم قناة السويس وأزمة انسحاب المرشدين الأجانب بإيعاز من القوى الاستعمارية الكبرى فى ذلك الوقت ، انجلترا وفرنسا الموجى - أم كلثوم الموجى وأم كلثوم كما ذكرنا فإن الصوت الذى حمل الموجى إلى النجومية كان صوت أم كلثوم ، والواقع أن صوت أم كلثوم كان المقياس العام لجميع الملحنين فمن لحن لها دخل التاريخ الفنى ومن لم يدركه الحظ لم يعرف طريق الشهرة التقى محمد الموجى بأم كلثوم لأول مرة فى لحن نشيد الجهاد عام 1954 ، لكن موهبة الموجى الحقيقية تألقت فى لحن الرضا والنور أحد ألحان فيلم رابعة العدوية الذى اشتركت فيه أم كلثوم بصوتها فقط ، وهى قصيدة صوفية من أجمل ألحان الموجى وعلى طريق الأغنية الوطنية التى راجت فى تلك الأيام غنت له أم كلثوم عدة أغنيات منها محلاك يا مصرى ، يا سلام على الأمة ، وصوت بلدنا ، بالسلام احنا بدينا ومن أهم ما لحن الموجى لأم كلثوم أغنيتها الشهيرة للصبر حدود من مقام راحة الأرواح عام 1964، غير أن الموجى قد انشغل عن أم كلثوم بعد ذلك ، ولم يلحن لها إلا لحنا واحدا عام 1970 وهو اسال روحك مقام حجاز

للصبر حدود – ألحان محمد الموجى – غناء أم كلثوم

من ألحان الموجى لأم كلثوم

  • سألت عن الحب – قصيدة – مقام كورد – كلمات طاهر أبو فاشا
  • الرضا والنور – أغنية – مقام حجاز – كلمات طاهر أبو فاشا
  • محلاك يا مصرى – أنشودة – مقام راحة أرواح – كلمات صلاح جاهين
  • للصبر حدود – أغنية – مقام راحة أرواح – كلمات عبد الوهاب محمد
  • يا سلام على الأمة – أنشودة – مقام نهاوند – كلمات عبد الفتاح مصطفى
  • اسأل روحك – أغنية – مقام حجازكار – كلمات عبد الوهاب محمد
  • نشيد الجهاد – مقام نهاوند – كلمات أحمد رامى

نموذج الرضا والنور

فى أوائل حياته الفنية وفى ثانى لقاء مع أم كلثوم وجد محمد الموجى نفسه وجها لوجه أمام قالب جاد لا يحتمل التجريب ولا التغريب ، إن أمامه قصيدة ، وهى ليست قصيدة عاطفية أو وطنية ، إنها قصيدة دينية تسبح أبياتها فى جو من التصوف الخالص ، فكيف لملحن صافينى مرة أن يتصدى لهذه المهمة التى لم يكن يجرؤ على إنجازها إلا الرواد والعمالقة ، باختصار دخل الموجى من باب الكبار ، فقد اقتفى خطى اثنين من عتاة الملحنين ، وقرر دخول الميدان مستنيرا بضياء ألحانهما ولكن بأسلوبه ورؤيته

نموذج الأغانى الوطنية – محلاك يا مصرى

نماذج جديدة مع عبد الحليم

نموذج نار يا حبيبى

اشتعلت نار ياحبيبى هذه بصورة فريدة فى أواخر الخمسينات فرددها الصغار والكبار وتسابق الهواة على حفظها وعزفها فى المناسبات المختلفة ، وقد نجح الموجى فى هذا اللحن من مقام كورد بما قدمه من مقدمة موسيقية واضحة المعالم ظهر فيها ميله لاستخدام البناء الدرامى الموسيقى كفكرة اساسية مقدمة على التطريب ، واستمر فى الإيحاء بنفس الفكرة أثناء الغناء ودعمها باستخدام الكورس فى مقاطع صغيرة لكنها مفصلية فى اللحن فأدت دورا تكامل مع دور المطرب الفرد دون ترديد مكرر لما يؤديه ، وقد وضع الموجى بهذا اللحن نموذجا يحافظ على دور الخيال الموسيقى والبناء الدرامى للحن كعناصر أساسية مع بساطة فى التعامل مع الكلمات والتعبير عن مضمونها ، كما أظهر اهتمامه بأداء الأوركسترا ودقته فى صياغة الجمل الموسيقية ، وقد تفادى الملحن هنا ما سبق من مزج غير موفق بين الحديث والتقليدى فى نموذج صافينى مرة ، فجاءت مقاطع اللحن منسجمة حتى النهاية فى الستينات لحن الموجى لعبد الحليم أغنية طويلة اعتمدت فى بدايتها على قالب الموشح هى كامل الأوصاف من مقام الكورد ، ذاعت الأغنية ورددت فى كل مكان ، ولو أنها لم توظف إمكانيات الموجى فى التحديث والابتكار ، غير أن أفكار الموجى اللحنية قد نضجت أكثر فى السبعينات حين قدم لعبد الحليم أبدع ألحانه فى قصيدتى رسالة من تحت الماء وقارئة الفنجان من أشعار نزار قبانى

مقدمة رسالة من تحت الماء 1970

فى هذا اللحن (مقام صول ماجير) أثبت الموجى قدرته على التميز والتفرد والتجديد رغم تناوله قصيدة شعرية فصحى ، ويكفى أن تستمع إلى المقدمة الموسيقية لقصيدة رسالة من تحت الماء (شعر نزار قبانى) لندرك كيف استطاع الموجى تكوين وبناء دراما لحنية متكاملة فى هذه المقدمة التى بإمكانها الاستقلال عن القصيدة المغناة كموسيقى بحتة 

وقد أدخل فيها الموجى عدة عناصر اجتمعت لتكون موسيقى جديدة وراقية ومحدثة إلى حد كبير:

  • استخدام البناء اللحنى الدرامى: نسيج متجانس من نفس المقام يتصاعد من البداية لتكوين ذروة ثم يبدأ فى الهبوط التدريجى حتى النهاية
  • إيقاع غير مطروق هو الدوبل فالس 8/6  (وإن كان شائعا فى ذلك الوقت فى موسيقى البوب الغربية)
  • آلات حديثة: الجيتار – الأورج – الكمان الكهربائى
  • استخدام التباين اللحنى بين التصاعد النغمى للفقرات الموسيقية مع التنازل داخل الجمل
  • الحوار المتكامل والمتباين بين الأوركسترا والآلات الفردية
  • استخدام الآلات النغمية فى تدعيم الإيقاع بتآلفات الأورج والجيتار

ورغم كل هذا تظل المقدمة الموسيقية انعكاسا واضحا لنغمات لحن أغنية “القمح” لمحمد عبد الوهاب التي سبقتها بنحو ربع قرن، وإن تغير الإيقاع 

بهذا الاتجاه سار محمد الموجى على نهج محمد عبد الوهاب فى تحديث تلحين القصيدة ، مقابل الاتجاه التقليدى الذى حمل لواءه رياض السنباطى لعقود ، والذى اتبعه الموجى نفسه من قبل ، وكان عبد الوهاب قد سبق الجميع فى تخطى تقليدية لحن القصيدة مبكرا منذ لحن لست أدرى فى الأربعينات واستمر فى تأكيد تيار التحديث إلى أن لحن قصائد لأم كلثوم بدأت بهذه ليلتى فى الستينات

الموجى وأصوات أخرى

غنى للموجى باقة من المطربين والمطربات قبل وبعد نجاحه مع أم كلثوم ذكرنا من أسمائهم ، ودعم نجاحه معهم مكانته فى عالم التلحين بحيث تمنى معظم المطربين الغناء من ألحانه ، ومن أشهر ألحانه لفايزة أحمد ، أنا قلبي إليك ميال ، يا امه القمر ع الباب ، كذلك غنى له صباح ، شادية ، محرم فؤاد ، ماهر العطار ، عبد اللطيف التلبانى وأسامة رؤوف وغيرهم

نموذج أنا قلبى إليك ميال

أغنية أنا قلبى إليك ميال لفايزة أحمد ، مقام راست ، لا زالت تردد لليوم ليس بصوتها فقط وإنما بأصوات مطربات جدد لم يعاصرن لا الموجى ولا فايزة ، ولا يعرف على وجه التحديد لماذا يفضلن غناء هذه الأغنية أو لماذا تسمع كثيرا فى مسابقات الغناء للأصوات الجديدة تقول كلمات الأغنية فى مطلعها: أنا قلبى إليك ميال ، ومفيش غيرك ع البال ، انت وبس اللى حبيبى ، مهما يقولوا العزال وكما نرى ليس فى الكلمات شيئا مثيرا للانتباه , بل تكاد تكون مستهلكة من كثرة شيوعها فى الأغانى ، والأغنية عموما بسيطة التركيب لحنا وإيقاعا ، وهى من نوع الأغانى الذى يكرر نفس اللحن لجميع الكوبليهات ولا تمثل بأى حال قدرات الموجى الموسيقية والتلحينية بل إنها فنيا من أضعف ألحانه ، كما أنها لا تقدم أية فرصة للمغنى لاستعراض إمكانيات صوته .. وربما كان السر فى لجوء مطربات اليوم إلى أبسط ما يمكن من نماذج فقط لإثبات أنهن يغنين لملحن كبير ولمطربة قديرة ، ونعتقد أن السبب الحقيقى هو بساطة اللحن وخلوه من القفزات والتحولات والجمل المركبة وليس الاحتواء على جماليات فنية

نقــد محمد الموجى

فى الرضا والنور ، وهى أجمل ما لحن الموجى على الإطلاق ، نجد أثرا لموسيقى عبد الوهاب وألحان السنباطى ، وإذا تأملنا موسيقى المقدمة نجدها تتشكل من تنويعات على جملة أساسية هى جملة البداية التى تحمل بصمة عبد الوهاب الموسيقية فى مقدمة لحنه الشهير الفن ، الفرق الوحيد أنها عند عبد الوهاب خاتمة لفقرة موسيقية طويلة يبدأ بعدها الغناء بينما عند الموجى بداية لفقرة موسيقية هى المقدمة التى تكرر بعد انتهاء الغناء وقد صاحبتها أصوات الكورس النسائى بالآهات المعروفة ، هى جملة صغيرة فعلا ولا تتعدى حدود المازورات الأربع القانونية ، انما هى أيضا جملة غاية فى التميز بحيث لا تخطئها أذن ، ولمن يود افتراض انها جملة شائعة الاستخدام نقول انها لم ترد إلا فى هاتين الأغنيتين ، وإذا خطر لأحد استخدامها فى أغنية جديدة فستكون الثالثة وليس ذلك من باب شيوع الاستخدام

الرضا والنور ومقدمة أغنية الفن – محمد عبد الوهاب

قصد أو لم يقصد ، علقت بذهنه أو تخيل أنها من إبداعه إلا أن أحدا لم يعلق على هذا لا فى وقته ولا بعد ذلك ، والفرق ين لحن عبد الوهاب ولحن الموجى خمس سنوات لا غير ، أما تأثير لحن الفن على الموسيقيين فلا حدود له ومعروف إعجابهم جميعا بتلك المقدمة الموسيقية المذهلة والتى كانت سببا فى ازدياد نجاحه وشهرته بين الفنانين على وجه الخصوص ، وليس الموجى استثناء ، وبالمناسبة فقد أطلق احد مغنى البوب الغربيين فى الثمانينات أغنية جديدة استعمل فيها جملة موسيقية مميزة أخرى من مقدمة لحن الفن وهى الجملة قبل الأخيرة ، كما هى لكن على طريقة عبد الوهاب ، اى خاتمة لفقرة موسيقية ، وقد كان من الغريب سماع تلك الجملة المالوفة فى أسماع الشرق فى أغنية تصدر فى الثمانينات كإنتاج حديث

الرضا والنور وشمس الأصيل

أما تأثر الموجى بأسلوب السنباطى فقد ظهر فى تلحين الجمل الغنائية خاصة لصوت أم كلثوم ، ونشير هنا إلى تقارب جملتى الختام فى الرضا والنور للموجى وشمس الأصيل للسنباطى ، وكما ذكرنا فى تحليل سابق فإن السنباطى كان أكثر الملحنين هدفا للتقليد من قبل غيره ، خاصة عندما يتعلق الأمر بأم كلثوم ، إذ لم يجرؤ أحد على تغيير كبير فى ألحان أم كلثوم غير محمد عبد الوهاب ، وهو أمر منطقى فى نظر الجميع ، وقد قلد السنباطى كل من الموجى وكمال الطويل وبليغ حمدى فى ألحانهم لأم كلثوم ، أما السنباطى نفسه فقد بدأ بتقليد محمد القصبجى رسالة من تحت الماء: سنقفز الآن سنوات إلى السبعينات وبالتحديد إلى مقدمة أغنية الموجى الشهيرة رسالة من تحت الماء غناء عبد الحليم حافظ ، ولنتأمل ، ثم لنتذكر سولو الكمان المنفرد فى أغنية عد الوهاب ، الفن .. نجدهما يتقاربان كثيرا فى الأسلوب اللحنى وتكنيك العزف وإن لم يتقاربا فى الميلودى أو المقام

سولو الكمان مقدمة أغنية الفن – عبد الوهاب

محلاك يا مصرى: فى محلاك يا مصرى تغنى أم كلثوم هذه الكلمات .. شاوروا لهم ، وقولوا لهم … على تتابع لحنى مقتبس من جملة : أنا برضك .. أنا برضك .. أنا برضك .. أنا .. فى لحن الأمل للشيخ زكريا أحمد غناء أم كلثوم

الموجى بين التميز والتكرار

لا يختلف اثنان على أن موسيقى الموجى مميزة بحيث يستطيع أى خبير إذا سمع لحنا له أن يحكم إن كان من تلحينه أم لا ، لكن هذه الميزة فى الواقع وصلت مع الموجى إلى حد كونها سلاحا ذا حدين فى بعض المواقف ، فقد تشابهت جمل كثيرة له وتكررت فى ألحانه بنفس الطريقة فدخل بذلك فى نوع من التقليدية رغم أنه محسوب على أنصار التجديد ، لم يكن الموجى الوحيد الذى بدا بهذه الصورة من الملحنين ، وأكثرهم كذلك كان فريد الأطرش

لحن اسال روحك – أم كلثوم

جاء لحن اسال روحك وسط موجات من الإبهار الموسيقى واللحنى أطلقها كل من محمد عبد الوهاب ، رياض السنباطى وبليغ حمدى فى ألحان متتالية لأم كلثوم سار الأخيران فيها على نهج عبد الوهاب الجديد ، تنافس الثلاثة فى تقديم الجديد لجمهور أصبح يعشق التجديد والابنكار ، ولم تكن هناك أغنية لأم كلثوم تمر منذ لحن عبد الوهاب إنت عمرى دون تقديم إيقاع جديد أو مقام غير مطروق أو استخدام آلة جديدة إلى غير ذلك من أساليب التغيير والتنويع ، لكن لأسباب لم تتضح آثر الموجى التقليدية التامة فى هذا للحن ، ولهذا بدا وكأنه تخلف عن ركب المنافسة فى التلحين لأم كلثوم رغم تقديم هذا اللحن فى أوج تلك المنافسة ، وعند المقارنة ين لحنه الأول العاطفى لأم كلثوم عام 1964 ولحنه الثانى عام 1970 لن نجد اختلافا كبيرا فى الأسلوب ، وقد يقال أن هذه الفترة ليست بالطول الكافى لتغيير أسلوب التلحين ، إلا أن جميع أغانى أم كلثوم لمختلف الملحنين قد اختلف أسلوبها منذ ذلك الوقت وبطريقة حادة بسبب دخول محمد عبد الوهاب ساحة أم كلثوم ، ولم يشذ عن هذه القاعدة إلا محمد الموجى فى اسال روحك وسيد مكاوى فى يا مسهرنى وبليغ حمدى قبل عام 1967 على أى حال بعدها بقليل استعاد الموجى روحه المجددة ليبدع فى أغنيتى رسالة من تحت الماء وقارئة الفنجان لعبد الحليم فقدم ألحانا تماشت كثيرا مع روح العصر ، وأذكر أننى سمعت بنفسى فى اندهاش شديد بعض مقاطع موسيقى قارئة الفنجان تذاع بين البرامج فى إذاعة لندن ، ليست الإذاعة العربية بل الانجليزية! جوائز الموجى

الرحيــــل

توفى الفنان محمد الموجى فى أول يوليو عام 1995 بعد رحلة فنية غزيرة الإبداع أثرى فيها الموسيقى العربية باعمال لا زالت تردد لليوم ، وضرب مثالا للجرأة والإقدام والتميز فى عالم الفن ، وله ابن ملحن هو الموجى الصغير نأمل أن يكون له بصمة فنية

للصبر حدود – تحليل موسيقى

 

محمود الشريف

محمود الشريف

محمود الشريف

محمود الشريف – ملحن نشيد الله أكبر 1912 – 1990

ملحن قدير ممن أثروا الحركة الموسيقية فى مصر فى أواسط القرن العشرين تأثر بسيد درويش وسار على نهجه فى التطوير

قدم المئات من الألحان الأصيلة كما قدم للسينما ألحانا رائعة ، وبلغت ألحانه أكثر من 800 لحن
أشهر ألحانه على الإطلاق هو نشيد الله أكبر الذى أطلقه فى مصر أيام حرب السويس عام 1956 وساهم كثيرا فى تعبئة الشعوب العربية أثناء الحرب وبعدها ويعد من اقوى الأناشيد الوطنية وذاع فى جميع البلاد العربية واتخذته بعضها نشيد قوميا لها ، وكان يحظى دائما بالجوائز الأولى فى المهرجانات الفنية ، وأظلت ظلال النشيد على حرب 1973 حين اتخذه المقاتلون شعارا لهم أثناء عبور قناة السويس

نشيد الله أكبر

غنى له كبار الفنانين فى الخمسينيات والستينيات منهم ليلى مراد ، محمد عبد المطلب ، كارم محمود ، صباح ، أحلام ، فايزة أحمد ، عبد الحليم حافظ ، شادية ، وردة ، وغيرهم

من أشهر ألحانه أيضا يا أهل المحبة ، رمضان جانا ، ساكن فى حى السيدة ، بتسالينى باحبك ليه ، لعبد المطلب ، اسأل على لليلى مراد ، ياعطارين دلونى لأحلام 

رمضان جانا

محمود الشريف

ولحن رمضان جانا الذى غناه محمد عبد المطلب وتم تصويره تلفزيونيا من ألحان الشريف دائمة الإذاعة والسماع حتى الآن فى شهر رمضان من كل عام ، وأصبح اللحن من علامات الشهر الكريم

رحــلة الشريف والفــن
ولد بالإسكندرية فى 2 سبتمبر 1912

أحب الموسيقى منذ طفولته ودرس بالإسكندرية وظل بها حتى عام 1939 وتأثر بأخيه الأكبر الذى كان موسيقيا بأوركسترا القوات البحرية المصرية
عام 1927 بدأ بالغناء كمطرب هاو ثم بدأ فى تلحين بعض الأغانى لنفسه

عام 1932 بدأ يتردد على مسارح القاهرة قبل للعمل بها

عام 1938 وقد ضاقت الإسكندرية بفنه وطموحاته صارح صديقه الفنان السكندرى محمد عفيفى الذى بدأ يسجل ألحانه لإذاعة القاهرة برغبته فى الاستقرار نهائيا بالعاصمة ، واتفق الاثنان على ترك الإسكندرية كما تركها من قبل العمالقة سلامة حجازى وكامل الخلعى وسيد درويش ، لكن محمد عفيفى لم يستطع إقناع والدته وهو عائلها الوحيد بالسفر معه

عام 1939 ومع بداية الحرب العالمية ضربت الإسكندرية بالطائرات ، وهجرها أهلها إلى المدن المجاورة ، وكمن يريد أن يلعب مع القدر توجه الشريف إلى صديقه لدعوته مرة أخيرة لعله توصل إلى نتيجة فأجابه بالنفى فعاتبه الشريف قائلا : ” دى بلد ميتة ، خليك .. موت هنا ..” وقرر محمود الشريف الانتقال وحده إلى القاهرة حيث فتحت له أبواب الشهرة

أعجب به محمد عبد الوهاب حين سمع لحنه لعبد المطلب بتسالينى باحبك ليه ، وبدأت بينهما صداقة منذ ذلك الوقت ، وقدمته هذه الأغنية إلى الجمهور ثم أصبح واحدا من أشهر الملحنين فى مصر

يقال أنه عام 1946 أعلن زواج محمود الشريف بام كلثوم ، وأزعج هذا النبأ الكثيرين ممن داروا فى فلك أم كلثوم ، فلم يستمر إلا أياما معدودة وانتهى بفرمان ملكى فصل بينهما بأمر من الملك فاروق الأول! وكانت علاقته بها قد بدأت عندما تم اختيارها نقيبة للموسيقيين وكان فى ذلك الوقت سكرتير عام النقابة ، وكانت النقابة فى ذلك الحين تجمعا شهد أسماء كبيرة مثل محمد عبد الوهاب ، لكن هذه القصة ليست مؤكدة على أى حال

تم تكريم الملحن محمود الشريف من قبل الدولة فى مصر فى أكثر من مناسبة ، كانت المرة الأولى فى عهد الرئيس جمال عبد الناصر ثم فى عهد الرئيس أنور السادات

عام 1989 نال جائزة الدولة التقديرية

توفى فى 29 يوليو عام 1990 عن 78 عاما ، تاركا رصيدا فنيا هائلا

ألحـــانه

تميزت ألحان الشريف بأنها ألحان سلسة ، جادة تميزت بالشرقية الأصيلة

نماذج من ألحان محمود الشريف

نشـيد الله أكبر – غناء جماعى

اســـــــأل علىّ – غناء ليلى مراد

رمضــــــان جانا – غناء محمد عبد المطلب

حسن يا خولى – غناء جماعى