RSS

موسيقى عتاب – تحليل موسيقى

24 يوليو

موسيقى عتاب – محمد عبد الوهاب 

تحليل موسيقي د. أسامة عفيفي

 

عتــــاب – مقام راسـت 1935

مقــــدمة

موسيقى عتاب من أجمل مؤلفات عبد الوهاب الموسيقية ، وهى موسيقى تقطر رقة وعذوبة وتتقل السامع إلى آفاق وأعماق من التعبير عن موقف من أرق المواقف الإنسانية : العتاب

وهى من آيات التعبير بالموسيقى عن الشعور الإنسانى دون اى استخدام للكلمات ، وأعجب من التعبير عن الشعور توصيل الشعور إلى السامع وكأنه يسمع ويرى ويحس فى نفس الوقت ، والموقف هنا إنسانى عام يمكن أن يمر به كل إنسان ، وحتى لو كان المؤلف الموسيقى يعبر عن موقف شخصى أو قصة حدثت له فإنه بتعمقه فى حالة الشعور قد يستطيع الغوص إلى أعماق النفس التى نشترك فيها جميعا كبشر ، وهنا يكمن سر إعجاب الناس بهذا المؤلف أو ذاك وبموسيقى بعينها دون غيرها

العناصر الأساسية:

يستخدم الفنان هنا خياله وأدواته للتعبير عن عنصرين أساسيين:

1- الموقف الدرامى : حوار بين اثنين

2- الموقف الإنسانى : محبان يتعاتبان ، انفعال الطرفين كل فى دوره بين الشدة والرقة وبين اللوم وتذكر الجروح وتمنى النسيان وعودة الصفاء ، وتبادل للأدوار فى الحوار يعقبه التصالح والاتفاق

من الممكن تخيل عتاب يصدر من طرف واحد دون حوار فورى مع الطرف الآخر ، وهذا الصورة موجودة بالفعل فى وسائط أخرى غير الموسيقى كالرسائل ، على أن يأتى الرد لاحقا ، ولكن موسيقارنا لا يطمئن لترك الموقف معلقا ، إنه يفضل الوصول إلى نهاية الموقف بالنهاية السعيدة المرجوة ، ثم إنه لن يضطر إلى تأليف موسيقى أخرى تصور رد المحبوب ثم ثالثة ورابعة لتصوير النقاش أو النتيجة .. هكذا عرض عبد الوهاب تلك الدراما كاملة بعتابها وحوارها ونتيجتها فى موقف واحد

ومن السهل تخيل عبد الوهاب يشارك بطلة من بطلات أفلامه هذا الحوار وكأنهما يتبادلان الغناء رغم عدم وجود نص أو كلمات ، ويبدو أنه تخيل ذلك فعلا قبل البدء فى هذا العمل فهو قريب الشبه بديالوجاته الغنائية فى السينما

تحليل موسيقى:

ا – البنــاء الموسيقى

لا يتحرر عبد الوهاب فى هذه القطعة تماما من القوالب الموسيقية التقليدية كما تحرر فى معظم مؤلفاته الموسيقية ، صحيح أنه لا يتقيد بشكل معين ، لكنا نستطيع اقتفاء آثار التقليد القديم فى هذه الموسيقى المؤلفة فى الثلاثينات

آثار التقليد القديم

1- تقسيم العمل إلى أجزاء يتخللها مقطع متكرر

2- استخدام ميزان السماعيات 10/8 فى معظم الأجزاء كما فى السماعى

3- استخدام أسلوب التقاسيم أحيانا

4- استخدام الكروشات المثلثة كما هو متبع فى نهايات السماعيات

5- الختام السريع كما فى معظم السماعيات

والواقع أنه لولا أن عبد الوهاب قد أعطاها إسما لكانت أقرب لوصفها سماعى راست لمحمد عبد الوهاب فميزان السماعى يسيطر على معظم المقاطع

( السماعى قالب من قوالب الموسيقى البحتة تركية المنشا ، زمنه الأساسى 10/8 ، يسمى سماعى ثقيل ، يتكون عادة من مقدمة و 3 خانات وتسليم يتكرر بين الخانات ، وغالبا تكون الخانة الأخيرة على ميزان ثلاثى 3/8 )

تتألف القطعة من ســتة أجزاء هى المقدمة والتسليم ، وهو الجزء المكرر من الموسيقى ، وثلاثة مقاطع تسمى خانات ، ومقطع يحل محل التسليم بين الخانة الثانية والثالثة ، تتحاور جميعها على مقام رئيسى هو الراست ، والراست مقام شرقى يشبه السلم الطبيعى الغربى فى بنائه غير أن درجته الثالثة ناقصة ربع درجة وكذلك السابعة

يتخلل التسليم هذه الأجزاء ، فيلحق بالمقدمة ثم يكرر بعد الخانة الأولى .. وسنشرح لاحقا لماذا لم يكرر التسليم بعد كل الأجزاء ولماذا تكرر مرتين رغم احتمال تصاعد الحوار أو انتهائه

هكذا يبدو بناء القطعة:

مقدمــة — تسليم — خانة 1 — تسليم — خانة 2 — مقطع حر — خانة 3 ( ختام )

واللافت للنظر فى بناء هذه القطعة الفريدة هو إصرار مؤلفها الشديد على استخدام المحاورة الموسيقية كأسلوب أساسى حتى فى أدق الجمل ، وإذا بحثنا عن التجريد الموسيقى أو الزخرفة أو الإبهار فلن نجد إلا القليل ، ونعتقد أنه له كل الحق فى ذلك فإن هدفه كان التعبير عن موقف هو فى الأصل حوار بين طرفين لا يجوز فيه أن ينفرد أى منهما بالتعبير كما لا يجوز النظر إلى الأشياء المحيطة أثناء هذا الحوار الإنسانى وإلا خرج الموقف عن طبيعته

ومن اللافت أيضا عدم التنقل كثيرا بين المقامات رغم حرية الحركة ، وسنأتى لذكر هذا لاحقا

1- المقدمة

– الميلودى: تتكون المقدمة من خمس حركات تؤلف تتابعا كاملا تبدأ بالمقام الرئيسى ، الراست ، ثم حركتين من مقام النكريز مرتكزة على نفس الأساس ثم حركة قصيرة تعود لركوز الراست ننبعها حركة تختم المقدمة وتمهد للدخول فى التسليم

– الـــزمن: ظاهر الحركات غير موقع لكنها تسير فى زمن السماعى الثقيل 10/8 تذكرنا بقالب السماعى

2- التســـليم

يتكون التسليم من جملتين رئيسيتين على نفس الميزان ، تبدآن من قمة السلم لتنتهى فى الأساس كل بطريقتها ، يتخللها حركات قصيرة متحاورة

3- الخانة الأولى

استمرار لحوار المقدمة الهادئ يبدأ على ميزان السماعى 10/8 بجملة من مقام الحسينى المتفرع من الراست الذى يعود إليه سريعا على نفس الميزان حتى الرجوع للتسليم فى نهاية الخانة

4- الخانة الثانية

يبدو الإيقاع يسير على نمط ثلاثى كالفالس وهو إيقاع قديم فى الشرق والغرب ، ونسمع جملا محددة على مقام الراست فى خلفيتها دقات مكتومة تنتهى ويتوقف إيقاعها مع بداية المقطع الحر

5- المقطع الحر

يبدأ فور انتهاء آخر مازورة من الخانة الثانية الموقعة بجمل حوارية حرة بين الناى والكمان والقانون تمهد للختام ، يبدأ الناى بسولو مشابه للتقاسيم الحرة يتدرج نزولا إلى نهاية السلم ، يستقر بعدها النغم فى هدوء على ثالثة المقام فى نقلة مقامية منطقية إلى الهزام للحظات تمهد للخانة الثالثة

ويلاحظ هنا أسلوب استخدام سولو الكمان فى الانتقال من الراست إلى الهزام من خلال عدة حركات تركز على ثالثة مقام الراست والتى هى فى نفس الوقت اساس مقام الهزام ، يستخدم المؤلف هنا الأسلوب الكلاسيكى الغربى الشائع فى سوناتات الكمان ، ولولا ارتكازها على ثلاثة أرباع الدرجة لتخيلنا أن الموسيقى لموتسارت وليست لعبد الوهاب!

المتبع فى السماعيات عند نهاية الخانة الثانية العودة إلى التسليم ومنه إلى الخانة الثالثة والأخيرة والتى تكون عادة ذات إيقاع سريع يتخذ من الحركات الثلاث الأولى فى ميزان السماعى أساسا له ، أى ثلاثة كروشات فينقلب إلى ميزان ثلاثى أو دارج 3/8 ، وبنهاية هذه الخانة يترك الأمر إما للإقفال بها أو العودة مرة أخرى للتسليم فيكون هو النهاية الأخيرة

ماذا فعل عبد الوهاب فى هذه القطعة؟ استبدل التسليم بشيء مختلف هو الأداء الحر لمجموعة من الآلات تقوم بحوار فيما بينها بالعزف المنفرد وهى الناى والكمان والقانون ، وتحرر تماما من الميزان والزمن ومن ثم أصبح الطريق مفتوحا أماما تغيير الميزان بزمن جديد هو الثنائى بدلا من الثلاثى

6- الخانة الثالثة – الختام

عدة جمل قوية متعاقبة على إيقاع ثنائى سريع تدور حول ثالثة مقام الراست استلاما من الخانة الثانية مؤدية للختام على أساس المقام ، وهى جمل حوارية أيضا لكنها فى نفس المستوى دون تضاد ، وفى الحركة النهائية نلاحظ أثرا آخر للموسيقى الغربية فهى على قصرها شديدة الشبه بنهايات السيمفونيات

ب – التعبيـــر الموســيقى

1- الأسلوب

الملاحظة الأولى بعد الاستماع إلى هذه الموسيقى هى التزامها فى معظمها بالمقام الأساسى وتجنب التغيرات الحادة فى الانتقالات المقامية والإيقاعية وتقييدها فى أضيق الحدود وهى سمة تخلى عنها عبد الوهاب فى المراحل اللاحقة

من الممكن فى المواقف الحوارية التعبير عن موقف كل طرف بمقام مختلف ، هكذا كان يفعل سيد درويش فى حوارياته المسرحية ، كذلك التعبير عن اختلاف شعور نفس الطرف فى نقاط مختلفة من الزمن بالانتقال المقامى ، وكان يمكن لعبد الوهاب استخدام هذا الأسلوب فى هذه القطعة حيث يوفر له ثراء أكثر فى التعبير ، لكنه على ما يبدو آثر استخدام الطريق الأصعب وهو إظهار تباينات الحوار بأدوات أخرى كتكوين الجمل وتنويع الآلات وتطويع الزمن مع المحافظة على مقامية العمل ككل

ونعتقد أن هدفه من ذلك وحدة الموقف الدرامى والمعنى الإنسانى فهو فى الأساس يتعامل مع موقف واحد هو العتاب ، وإذا سمعنا أن عتابا دار بين شخصين فمن السهل تصور أنه موقف واحد ينتهى إلى اتفاق ولا يتحمل التضاد أو الاختلاف الشديد ، وإلا فكيف يكون الخصام أو التحدى أو الصراع …

2- أدوات التعبير الموسيقى

استخدم عبد الوهاب عدة أدوات لتحقيق مبتغاه التعبيرى:

الجمل الموسيقية – الآلات – الزمن

ويمكننا سماع هذه الآلات منفردة بترتيب ظهورها:

القانون – الكمان – الناى

وقد استخدم أداءها المنفرد للتعبير عن:

الحوار بين طرفين – الحالة النفسية والشعور

كما استخدم الأوركسترا للتعبير عن حالات الشدة والاتفاق وصوت آلة الشيللو الرخيم لإشباع الخلفية

فى الإيقاع استخدم فى الخلفية الدقات المكتومة فجاءت كأنها أصوات ضربات القلب ، وعمد إلى وقف الإيقاع لتغليب الميلودى الحر ، كما نوع السرعة بين التأنى والإسراع ثم تسريع أكثر فى الختام تعبيرا عن النهاية

3- النسيج التعبيرى

لنتخيل أمامنا هذين العاشقين يتحاوران …

– المقدمــــة

تبدأ الموسيقى هادئة حزينة مقدمة للدخول فى الموقف بحركات قصيرة يتخللها تلوين مقامى من الراست إلى النكريز مبالغة فى ترقيق الإحساس

تتعاقب الجمل كأنها كلمات على اللسان تعرض موقفا تسيطر عليه العاطفة .. لا إيقاع ظاهر فى هذا الحوار فهو يبدو مسترسلا متقطعا كالحوار البشرى لكنه يسير وفق ميزان خفى

– التســـليم

فى التسليم ينقل تباين الجمل والحركات صورة حية للحوار القائم وكافة انفعالاته ، وكذلك التعبير بأصوات الآلات المختلفة للدلالة على أن هناك طرفين يتحاوران من ناحية ، ومن ناحية أخرى للتعبير عن شعور كل طرف بطريقة مختلفة

وهو عبارة عن محاورة موسيقية تستخدم كل الوسائل المتاحة ، الصياح والهدوء والسرعة والتأنى وعلو النبرة وخفضها وطول الجملة وقصرها ، والتلوين النغمى خاصة فى ثالثة المقام ، لكن هناك خيطا رفيعا ربط به عبد الوهاب بين الاختلاف والائتلاف ، باستخدامه لوحدة زمنية طويلة تسمح بحرية أكثر فى بتشكيل الحركات

لا تأتى المحاورة بالنتيجة المرجوة ، فالموقف لم يتغير ولذلك لا باس من المحاولة مرة أخرى فى الخانة الأولى

– الخانة الأولى

يعود الحوار لهدوء المقدمة وفى خلفيته زمن خفى لا يلحظه السامع لعدم استخدام الإيقاع ، تفشل هذه المحاولة أيضا فيعود الحوار إلى وتيرته الأولى وبنفس الجمل أى يكرر التسليم الموسيقى ، والملاحظ أن هذا هو ما يحدث فعلا فى مواقف العتاب عادة

– الخانة الثانية

تأتى المحاولة الثالثة ، هذه المرة يظهر إيقاع قوى لكنه مكتوم فيما يشبه ضربات القلب فى خلفية الميلودى الرقيقة ، ثم يتوقف مع دخول الناى فى المقطع الحر

– المقطع الحر

يبدا بصوت الناى السحرى الذى يبدو أن قلب الحبيب قد رق له بعد أن سمع دقات القلب المكلوم فنسى ما كان من حوار حاد وأتلف مع المحب فى نغمات جديدة ساحرة ناعمة تبشر بنهاية سعيدة لا حاجة بعدها للعودة للتسليم المعبر عن استمرار النقاش

– الخانة الثالثة – الختام

فى الختام تعبير قوى عن التصالح وعودة الوئام مع العزف على جميع الآلات فى جمل زاهية على إيقاع ثنائى مرح ، وهى تتحاور لكن فى نفس المستوى دون تباين كبير وكأنهما يغنيان نفس الأغنية ، ثم تأتى النهاية قوية حاسمة معبرة عن الرضا التام
واستخدام الأوركسترا الكامل لأداء الختام حتى النهاية ينهى حالة التحاور بجلاء ليحل محلها التوافق والانسجام

ج – ســمات أخرى

تعد موسيقى عتاب من أصعب القطع الموسيقية العربية لعدة أسباب:

1- استخدام وحدة زمنية طويلة ليس من السهل على المستمع تتبعها وتمييز دقاتها

2- تداخل الجمل السريعة مع الجمل الهادئة

3- عدم إظهار الإيقاع فى كثير من المقاطع

4- عدم انتظام الجمل والحركات الموسيقية ، فهى على تباين كبير فى الطول

5- التلون الواضح فى الجمل من حيث الشدة والرقة فهى ليست مونو تون بأى حال

6- التفاوت الكبير فى سرعات الجمل الموسيقية رغم تواليها

7- عدم وضوح الميلودى العام للقطعة رغم سيطرة المقام الأساسى

وهذه العناصر فيما عدا الوحدة الزمنية الطويلة ليست من سمات الموسيقى العربية التقليدية القديمة ولا الموسيقى التركية التى خلفتها ، فكلاهما يعتمد على الانتظام كأساس للعمل الفنى فإن لم ينتظم كله انتظمت مقاطعه ، ونعتقد أنها ، بالإضافة إلى ما ذكرنا من استخدام أسلوب السوناتا فى سولو الكمان والختام الأشبه بالختام السيمفونى ، نتيجة التأثر بالموسيقى الكلاسيكية الأوربية التى كانت تتخلص من الميلوديات الغنائية شيئا فشيئا إلى أن أصبحت الميلودى دليلا على تخلف الموسيقى واقتصر وجودها على الموسيقى الشعبية فى النهاية ، ويروى أن فيردى موسيقار إيطاليا العظيم ومؤلف أوبرا عايدة الشهيرة لم يتقبل الجمهور ألحان إحدى أوبراته التى ظن أنها أفضل ما كتب فما كان منه إلا أن توجه إلى الجمهور غاضبا بقوله: أنتم شعب الميلودى!!

تؤدى هذه العناصر مجتمعة إلى صعوبة حفظ الموسيقى لدى سماعها وربما يجد عازفون كثيرون صعوبة فى أدائها على نفس النحو من الدقة كما وضعها مؤلفها إن لم تكن مكتوبة ، وربما تفسر هذه الأسباب لماذا لم تنتشر موسيقى عتاب كغيرها من مؤلفات عبد الوهاب أو تنل حظا مساويا من الشعبية

والواقع أن موسيقى عتاب تعد من نوع الموسيقى الذى لابد أن يكتب ، ولذلك فهى أقرب إلى القوالب الأكاديمية منها إلى السماعية المعتمدة على الأذن لتداولها

لكن هذه السمات على سلبيتها الظاهرية هى أهم عناصر العمل نظرا لغرضها التعبيرى البحت ، وإذا كان هدف عبد الوهاب فى هذه القطعة هو التعبير أولا وأخيرا فقد نجح تماما فى مهمته. تحليل موسيقى: د.أســامة عفيـفى

 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: