تأريخ

صفحات فى تاريخ الموسيقى العربية

الموسيقى العربية الكلاسيكية
جذور الموسيقى العربية

النهضة الموسيقية – ظهور سيد درويش

الموسيقى العربية فى القرن العشرين
خصائص الموسيقى العربية

الموسيقى الكلاسيكية العربية يشار يها فى هذا الموقع إلى الموسيقى التى ظهرت خلال القرن العشرين بين العقدين الثانى والثامن من القرن العشرين والتى بدأت بحركة تجديد أرسى قواعدها سيد درويش فى مصر ، وهناك كلاسيكيات أخرى أقدم فى التاريخ الموسيقى العربى كالموشحات الأندلسية والقدود الحلبية ، لكن جرى الاصطلاح مؤخرا على تعريف الكلاسيكيات بأفضل ما قدم من موسيقى خلال تاريخها الطويل والذى بلغ ذروته فى القرن العشرين ، وهو ما يوازى كلاسيكيات الموسيقى الغربية فى القرن الثامن عشر

الخلفية التاريخية

تميزت نلك الفترة بنهضة فكرية هائلة كانت الريادة فيها للمبدعين المصريين بحكم نهضة مصر المبكرة نسبيا ودخولها فى العصر الحديث قبل سائر البلاد الناطقة بالعربية من ناحية ، ومن ناحية أخرى بفضل إرث مصر التاريخى فى المحافظة على اللغة العربية وعلومها وفنونها وتمسكها بالانتماء العربى كهوية أساسية بعد الفتح الإسلامى ، وقد ساعد فى ذلك انتقال الخلافة إلى مصر بعد سقوط بغداد باستقرار الدولة الفاطمية وظهور القاهرة كحاضرة كبرى فى المنطقة احتضنت فنون المشرق والمغرب من العمارة حتى الموسيقى

ظهر فى القرن العشرين فى مصر رواد كثيرون فى مجال الفكر والأدب والشعر والموسيقى ، مثل توفيق الحكيم ، طه حسين ، عباس العقاد ، أحمد شوقى ، حافظ ابراهيم ، نجيب محفوظ ، بديع خيرى ، بيرم التونسى، أحمد رامى ، وعشرات غيرهم ، وصحبت تلك النهضة إبداعات موسيقية مثلها ملحنون رواد أيضا

ولم تنشأ تلك النهضة من فراغ ، فقد مهدت لها كتابات الشيخ محمد عبده وغيره من رواد الفكر السياسى الذين وضعوا بدايات عصر التنوير والخروج من الجمود الفكرى إلى التحرر السياسى والاجتماعى ، وقد صاحب كل ذلك تيار متزايد من الشعور القومى غذاه وأججه موجات الاستعمار الغربى بدءا بحملة نابليون على مصر فى أواخر القرن الثامن عشر إلى حتى العدوان الثلاثى فى أواسط القرن العشرين ، وانخراط الشعب بمختلف طوائفه فى المقاومة

وبطبيعة الحال ظهر زعماء وطنيون وحدوا الشعب فى قضية واحدة هى الحرية .. وقد بدأ ت الحركة الوطنية بزعماء خلدوا أسماءهم بسجل مشرف من المواقف البطولية مثل محمد كريم حاكم الإسكندرية وعمر مكرم زعيم المشايخ الوطنيين فى مقاومة الفرنسيين ثم تبع رحيل الفرنسيين فترة هدوء واستقرار باختيار المشايخ لمحمد على لقيادة البلاد فى سبيل التخلص من الاستعمار التركى القديم ومواجهة الاستعمار الغربى الحديث بنفس أساليبه ، وعمد محمد على إلى تحديث البلاد فأدت جهوده إلى كثير من الاستقرار الاقتصادى والاجتماعى ، خاصة أن تلك الجهود لم تكن مظهرية ، فقد أنشأ لكل علم مدرسة , وجلب إلى البلاد أشياء لم تخطر لكائن على بال مثل زراعة القطن الذى سمى بالذهب الأبيض وأقام السدود والقناطر على النيل لتنظيم الرى ومد ثانى خط سكك حديدية فى العالم الذى أنشأه مخترع القاطرة البخارية نفسه وأنشأ جيشا هدد به عاصمة الدولة العثمانبة نفسها وأخضع لنفوذه الشام والسودان والجزيرة العربية

خلف محمد على حفيده اسماعيل الذى استمر فى تحديث البلاد واللحاق بالنهضة الأوربية وأراد أن يجعل مصر ” قطعة من أوريا” ولم يكتف بحفر قناة السويس وتحدبث المدن وإقامة المشاريع الزراعية لكنه ، وهنا بيت القصيد ، عمد إلى إرسال بعثات علمية إلى أوربا فى مختلف الميادين ، وكان عماده فى ذلك نخبة من أبناء مصر النابهين استطاعوا هضم أحدث ما أنتجته أوربا من فكر وعلم ونظم ، وبعودتهم إلى مصر بدأ ما يسمى بعصر التنوير

دخل اسماعيل باشا فى مواجهة مع بريطانيا أدت إلى عزله وتنصيب حليف بريطانيا الخديو توفيق الذى دخلت البلاد فى عهده فى حقبة من الاضطهاد والتمييز أدت إلى تعاظم القوى الوطنية بقيادة أحمد عرابى الذى نفى ثم قتل فى معركة مع الانجليز الذين بدءوا الاحتلال البريطانى لمصر عام 1882 بعد ضرب الإسكندرية بالمدافع

نتج عن استمرار فساد الحكم وتواجد الاحتلال سلسلة من الحركات الوطنية بقيادة زعماء مثل مصطفى كامل ومحمد فريد وسعد زغلول وكان الاحتلال يعمد إلى نفى هؤلاء الزعماء خارج البلاد لكن التيار الوطنى والإصلاحى لم ينقطع ، فظهرت تيارات فكرية وأدبية نقدية قادت البلاد فى تلك الفترة ، وبلغت ذروتها فى الربع الأول من القرن العشرين كما بلغت من خطورتها اضطرار الاحتلال إلى نفى قادة الفكر ورجال الأدب والشعر بعد رجال السياسة فكما نفى أحمد عرابى وسعد زغلول نفى أحمد شوقى أمير الشعراء ونفى أمير الزجل ابن الإسكندرية بيرم التونسى مما يدل على مدى شعور قوى الاحتلال والقصر الحاكم بالخطر من مثل هؤلاء

النهضة الموسيقية – ظهور سيد درويش
هناك قول شائع بين الملحنين اللاحقين يقول ” كلنا خرجنا من عباءة سيد درويش ..” فى إشارة واضحة لريادته فى الموسيقى
سطع نجم سيد درويش فى هذا الجو العاصف وهدده البريطانيون بالسجن والنفى لكنه توفى مبكرا قبل أن ينال شرف ذلك ، وكان بكتب وينظم أيضا ، ومن نظمه كلمات النشيد الوطنى الشهير ” بلادى بلادى لك حبى وفؤادى” وقد استوحى النشيد من كلمات أطلقها الزعيم الوطنى مصطفى كامل الذى توفى أثناء طفولة سيد درويش لكن كلماته ظلت تلهب مشاعر المصريين

أنشد سيد درويش العديد من الأغانى والأناشيد الوطنية كأنشودة ” أنا المصرى كريم العنصرين” ، وقد لحن نشيد ” قوم يا مصرى ” من كلمات لبديع خيرى قرأها فى إحدى الصحف قبل أن يتعارفا وقبض عليه الانجليز بسبب ذلك رغم أنها كانت مادة منشورة بالفعل إلا أن تلحين الشيخ سيد لها جعلها تنتشر فى جميع الأوساط القارئة وغير القارئة مما جعل الانجليز يشعرون بخطورة ألحانه لتأثيرها البالغ فى إحساس الناس وكأنها فى تعبئة الجماهير جهاز إعلامى جبار
وعنما تولى الخديو عباس حلمى الذى كان ميالا للإصلاح عزله الانجليز بينما طالب المصريين بعودته للحكم ، وشددت الرقابة على الصحف وما تيسر من وسائل الإعلام حتى الأغانى ، واحتال سيد درويش للموقف بتلحين دور “عواطفك” وهو دور عاطفى كما يظهر من عنوانه ، لكنه تكون من 8 ابيات فى مطلع كل شطرة حرف من اسم الخديو ولقبه فإذا قرئت الحروف الأولى قرئت ” عباس حلمى خديو مصر” ، والأعجب من هذا أن الدور كانت كلماته من تأليفه هو!
وعندما نفى الزعيم سعد زغلول احتال مرة أخرى لتذكير الناس بالمطالبة بحريته فلحن طقطوقة ” يا بلح زغلول ” ، وعند عودته من المنفى أعد نشيدا لاستقباله فى ميناء الإسكندرية مطلعه ” مصرنا وطننا سعدها أملنا ” وتظهر التورية جلية فى كلمة ” سعدها”

وربما من الجدير ملاحظة أن هذا الفنان لم يتقاض أجورا من أحد عن كثير من أعماله الوطنية التى عبأت الشعب ضد الفساد والاحتلال ولم يكلفه أحد بنظمها أو تلحينها ، وإنما كان وراءها فقط حس وطنى عال وشخصية ثائرة تمتد جذورها إلى أعماق التاريخ ، وهو يذكر المصريين بجذورهم دائما ، فهو يشعرهم بالفخر فى المطلع القوى ” أنا المصرى كريم العنصرين .. بنيت المجد بين الإهرامين” فى أوبريت شهرزاد من كلمات بيرم التونسى ، وهو لحن فائق الفخامة مما يليق بعظمة الجدود ويتغنى فى نهايته بقصة حب شاعرية يصوغ لحنها فى نسق شعبى بسيط يتصاعد تدريجيا إلى ختام أوبرالى الشكل متماشيا بذلك مع أصول التلحين المسرحى الجماهيرى ويترك بهذا الختام نفس الانطباع القوى بالفخامة الذى بدأ به اللحن
وفى أسلوب مختلف فى لحن ” قوم يا مصرى ” يحث أبناء الوطن على تذكر ماضيهم المجيد ولكن فى صيغة عتاب قاس قائلا :
شوف جدودك فى قبورهم ليل نهار .. من جمودك كل عضمة بتستعار ..
صون آثارك ياللى ضيعت الآثار .. دول فاتوا لك مجد خوفو لك شعار ..

إن هذا الكلام لا يصدر إلا عن فكر عميق آمن به سيد درويش فى فترة لم تكن فيها كل الآثار المصرية التى نعرفها اليوم ويعرفها العالم كله قد اكتشفت بعد ، لم يكن هناك غير الأهرامات ظاهرة بينما كثير من آثار الأقصر وغيرها ما زالت تحت التراب وهذا يبين قيمة هذه الدعوة
وهناك أمثلة فى التاريخ المعاصر تدل على أن بعث الروح القومية وتوحيد أبناء الشعوب فى هوية واحدة يبدأ بداية ناجحة إذا التفت الناس إلى ماضيهم وآثار جدودهم وهكذا فعل القائد الألمانى بسمارك موحد ألمانيا ونجح فى مسعاه ، وهكذا يفعل البريطانيون والفرنسيون وغيرهم

ولم يكن ليتصدى لتلحين مثل هذا الكلام بغرض توصيله للشعب بأكمله مجرد ملحن طقاطيق أو حتى فذ من أفذاذ الأدوار ، وفى عصر ساد فيه الاحتلال وكل ما جلبه من فساد وأراد نشره من رذيلة ، وخاصة أن مثله لن يجد مطربة صالات تغنيه ولا شركة اسطوانات تموله ، ولن يجد من يقدمه أجرا عليه من أحد فضلا عن تعرضه للاضطهاد بسببه ، وإنما تحتاج كلمات كهذه فى عصر كهذا إلى ملحن مثقف على دراية بالتاريخ وكفاح الشعوب وذى حس وطنى عال ، كما يدرك كيف يخاطب الناس وينقل إليهم إيمانه العميق بالقضية الوطنية ويحرك أحاسيسهم للعمل من أجلها
وفى أعماله المسرحية ، التى هى عصب نتاجه الفنى نجد كثيرا من الأناشيد الحماسية وأغنيات ملأى بالإسقاطات السياسية والاجتماعية التى أيقظت روح الإصلاح والتحدى والتفاؤل لشعب بأكمله

وظهر تعاطف سيد درويش مع مختلف الطوائف الشعبية فى ما عرف بألحان الطوائف ، وهى أغنيات لها إيقاعاتها الخاصة وغنيت بلهجة ومصطلحات كل طائفة دون تغيير ، ولا شك أنها كانت من أصعب ما تصدى لتلحينه سيد درويش ، إذ وضع لكل منها إيقاعاتها وأنغامها الخاصة التى تشعرنا وكأننا نرى ما نسمع ووهناك العشرات من هذه الألحان سميت بأسماء الطوائف مثل “الصنايعية” ، “الشيالين” ، “السقايين” ، ” الجرسونات ، “الأروام” ، ” المغاربة” وغيرها

وبلغت مدرسة سيد درويش التعبيرية ذروتها فى جملة لحنية مشهورة فى لحن ” الوصوليين” الذى يقول نصه “عشان ما نعلا ونعلا ونعلا .. لازم نطاطى نطاطى نطاطى” ، فنسمع اللحن يتصاعد فى نعلا ونعلا .. ثم يتراجع فى هبوط مع “نطاطى نطاطى” ، وهى سمة الوصوليين فى كل مكان وزمان إذ يرضون بالذل مقابل المكاسب المادية ، ومسلكهم فى ذلك التقرب من الحاكم والتودد إليه بالنفاق والتحايل ويتنازلون فى سبيل ما يغدقه عليهم من عطايا ومناصب عن كل قيمة ومبدأ محترم فى الحياة

وهذه الاتجاهات تدلنا بوضوح إلى أن سيد درويش كان صاحب فكر وليس موسيقيا فقط ، وأنه استخدم موهبته الموسيقية فى توصيل أفكاره للناس ، وقد برع فى ذلك تماما وقد ساعده بلا شك مؤلفين ثوريين كبديع خيرى الذى دانت له العامية المصرية بل وجميع اللهجات الموجودة على أرض مصر فى ذلك الوقت ، وكذلك بيرم التونسى أمير شعراء العامية

وهناك العشرات من الأمثلة التى تدلنا على انتحاء سيد درويش هذ المنحى غير المسبوق
ففى لحن ” القلل القناوى” يبدأ بما يردده بائع القلل وهو ينادى على بضاعته قائلا :
” مليحة قوى القلل القناوى .. رخيصة قوى القلل القناوى”

لكنه يتخذ من هذه المقدمة مدخلا إلى قضية أخطر بكثبر إذ يقول:

خسارة قرشك وحياة ولادك .. ع اللى ماهواش من طين بلادك
دا ابن بلدك ما يبلفكشى .. ما تعدموشى ولا يعدمكشى
دمك من دمه مايفرقكوا شيء
الدنيا مالها يا زعبلاوى .. شقلبوا حالها وين المداوى
شوف البلاوى .. ده البنك ناوى .. يرفع دعاوى .. علشان يتاوى
فى فلوسنا واحنا متقندلين

وفى لحن “ما قلتلكش” يخاطب أصحاب رأس المال قائلا:

امتى بقى نشوف قرش المصرى .. يفضل فى بلده ولا يطلعشى
انتوا بمالكم واحنا بإيدنا دى الإيد لوحدها ما تسقفشى
وفى نفس اللحن يتصدى لدعاة التفرقة الدينية قائلا:
دخل بناتنا اللى موقعنا فى بعضنا وراح لك متصدر
ان فهمى يكره حنا .. وايش دخل دول يانا بس فى ديننا

قدم سيد درويش نماذجه هذه فى مراحل متقدمة نسبيا من حياته القصيرة فهل زج به أحد إلى هذه المنعطفات السياسية؟
يتغنى سيد درويش فى لحن الصنايعية فى تلقائية عارمة قائلا:

أولاد أوربا ما بيناموش .. عن الصنايع ما يونوش
لافرنجى دايما حلق حوش .. والمصرى جنبه بيطلع بوش
سبع صنايع فى ايدينا .. والهم جاير علينا
يا ما شكينا وبكينا .. يا أغنيا ليه ما تساعدوش

هذا اللحن ومطلعه ” الحلوة دى قامت تعجن فى البدرية .. والديك بيدن كوكو كوكو فى الفجرية ..” يبدأ بصورة لا يمكن تصور انتقالها إلى قضية العمال والصنايعية والصناعة ورأس المال ، لكن هذا هو سيد درويش .. إنه ينتقل بك إلى موضوع غير قابل للغناء أصلا ، على الأقل بمواصفات عصره ، ثم يجعل من هذه الطقطوقة البسيطة قطعة فنية خالدة تحفظها عن ظهر قلب أجيال وأجيال بعده للآن

المظاهرات الوطنية فى مصر عام 1919

1919_revolt

Responses

  1. موقع ممتاز جدا .شكرا لكم و يا ريت شوية تحليلات موسيقية لوظيفة الايقاع في اشكال التلحين الغنائي في مصر و شكرا.


أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 29 other followers

%d bloggers like this: